الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

مَذهَبُ أبى حَنِيفَةَ ، وَمَصَادِرُ فَقهَه

Share

(( بحث مهم متسلسل وهذه الحلقة الاولى منه ))

(( المنهل ))

(١)

لأبى حنيفة مذهب خاص يعرف به فى الفقه الاسلامى ، له سماته الخاصة ، ومعالمه وعلاماته التى تميزه عن فقه المذاهب الاخرى وليس معنى هذا انه فقه مبتدع ابتدأه من عقله ، بل هو فقه صادر من الكتاب والسنة وفقه الصحابة ، مثله مثل فقه المذاهب الأخرى ، ولكن له منهجا أسسه ، سبق به غيره ، ومذهبا انشأه قبل الأئمة الثلاثة ، وبناه على اصول ثابتة ، وقواعد راسخة .

نعم ، لابى حنيفة مذهب خاص فى الفقه ، ولا حاجة الى اثبات المثبت ، فمنذ أواخر القرن الثانى الهجرى عرف المذهب الحنفى ثم شاع اسمه فى العالم الاسلامى ، وما يزال كذلك حتى اليوم .

والمصادر الاسلامية لجميع المذاهب الفقهية واحدة باعتبارها الكتاب والسنة ، ثم تفترق المذاهب فى اعتبار غير الكتاب

والسنة مصادر فقهية . ومنها ما اتفق عليه بعضها ، ومنها ما اختلف فيه .

فمذهب أبى حنيفة الفقهى قائم فى أساسه على الكتاب والسنة ، يضاف اليهما مصادر أخرى ، وهى فتوى الصحابى ، والاجماع ، والقياس ، والاستحسان ، والعرف .

وليس فى فقه ابى حنيفة مسألة تخالف الكتاب ، وليس لأبى حنيفة رأى واحد أراد منه مخالفة سنة صحيحة ثابتة للدين بشروطه التى أراد منها التحرى الذى لا يدع مجالا لقالة من صاحب هوى .

واذا كان ابو حنيفة لا يبيح لنفسه تجاوز ما قضى به الصحابى اجلالا لصحبته فان من غير المعقول ان يصدق فيه كلام خصومه الذين اتهموه بتقديم القياس على النص ، وانه لاتهام باطل مردود ، يرده قول الامام الأعظم وفعله .

وقد روى ابو جعفر الشير ماذى بسنده الى الامام ابى حنيفة انه قال : (( نحن لا نقيس فى مسألة الا عند الضرورة ، وذلك اذا لم نجد دليلا فى الكتاب والسنة ولا فى قضية الصحابة ))

وقد ذكرنا فى الفصل الذى عقدناه بعنوان : (( الرأي والقياس )) ، ما فيه الغناء فى رد تهمة قاذفى الامام بانه يقدم القياس على النص ، وهو كلام باطل .

والحقيقة التي يفصح عنها فقهه انه اعتمد الكتاب والسنة واقضية الصحابة كل الاعتماد ، ولم يقل برأيه فيما نص من هؤلاء، مثله مثل سائر الفقهاء من ائمة المذاهب المشهورة .

ولا شك أن الامام الأعظم لم يتخلف عن الائمة الثلاثة مالك ، والشافعى ، وابن حنبل فى معرفة الحديث وروايته والاعتماد عليه ، بل كان مثلهم فى ذلك وفى الاحتجاج بالحديث وتقديمه على الرأى والقياس .

وزعم ابن خلدون أن أبا حنيفة بلغت روايته الى سبعة عشر حديثا أو نحوها زعم باطل . وما أكثر زعمات ابن خلدون فى مقدمته وتاريخه .

وزعمه يدل على انه لم يكن على علم بفقه الامام الأعظم ، ولا بالحديث نفسه العلم الذى يبيح له أن يقرر الحقائق

وعندنا أن الامام الاعظم يأتى فى طليعة الآحاد الذين تزودوا من الحديث كل التزود ، وجمعوا منه كثيرا ، ولعله كان من اعظم الجماعين ، غير انه من مزاياه التحرى الى أبعد حدوده ، ان القران الكريم محفوظ لا يمكن دس كلمة فيه لان الله تكفل بحفظه ، ومستظهره بالآلاف ، ونسقه خاص ينفى عنه كل حرف يراد اقحامه فيه ، أما الحديث فقد أربى الوضع فيه على الاصل ، فوجب الحذر والاحتياط والتحرى ، لان على الحديث تبنى العقيدة والفرائض والاحكام ، مثله مثل القرآن .

واشتهر ابو حنيفة بالصدق ، ولا يبالى فى سبيله أشد الناس بطشا وأعظمهم سلطانا ، وأكبرهم أيدا ، ولم يؤخذ عليه كذب قط .

يذكر الامام الحافظ أبو يحيى زكريا بن يحيى النيسايورى فى كتاب مناقب ابى حنيفة له باسناده الى يحيى بن نصر بن صاحب قال : (( سمعت أبا حنيفة رحمه الله يقول :

(( عندى صناديق من الحديث ما اخرجت منها الا اليسير الذى ينتفع به )) (١)

وانتخب أبو حنيفة لآثار من اربعين الف حديث (١)

وقال الحسن بن زياد : يروى أبو حنيفة أربعة آلاف حديث ألفين لحماد ، وألفين لسائر المشيخة (٢)

وكيف يصح ان ابا حنيفة لم يرو الا سبعة عشر حديثا او نحوها ؟ وهو الذى أسس مذهبا فقهيا قوى الاساس ، بعيد الآفاق ، استوعب الحضارات والثقافت القائمة فى العراق ؟

وليس تحرى ابى حنيفة فى قبول الحديث بدعة ابتدعها ، بل له خير اسوة فى خير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وغيرهم .

ولا يصح فى العقل أن مذهبا يعد أقوى مذاهب الفقه الاسلامى واعظمها انتشارا واستيعابا لمشاكل العصر الذى عاش فيه يؤسس على سبعة عشر حديثا أو نحوها .

واذا صح انه لم يرو الا سبعة عشر حديثا أو لم يبن مذهبه الا على هذا العدد لميسير من الحديث فان أبا حنيفة يكون من أعظم من من انجبه العالم الاسلامى من الأئمة والفقهاء ، لأنه استطاع أن يبنى مذهبا متكاملا صحيحا فى الفقه يحوى العبادات والمعاملات على أوسع

نطاق مما لم يعرفه مؤسسو المذاهب الأخرى .

ونجد أبواب فقه الامام متفقة مع الحديث فاذا كانت آراؤه متفقة مع الحديث فى آلاف المسائل الفقهية فمعنى هذا ان عبقرية ابى حنيفة فاقت عبقرية كثير من المسلمين لان آراءه فى هذه الآلاف من المسائل اتفقت مع السنة الصحيحة التى هى من الوحى الصحيح .

وهذا امر لم يتيسر لغير عمر بن الخطاب رضى الله عنه فهو محدث هذه الامة الاسلامية ، وقد جاء في صحيح البخارى فى مناقب عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (كان فيما قبلكم من الامم محدثون فان يك فى امتى احد فانه عمر ) .

وفى مفردات الراغب الاصفهانى بمادة : (( حدث )) قال عليه السلام : ( ان يكن فى ملتى محدث فهو عمر ) وانما يعنى من يلقى فى روعه من جهة الملأ الاعلى شئ .

وشرح ابن الاثير فى النهاية فى مادة : ((حدث)) معنى الحديث الشريف فقال : (( انهم الملهمون ، والملهم هو الذى يلقى فى نفسه الشئ فيخبر به حدسا وفراسة . وهو نوع يختص به الله عز وجل من يشاء من عباده الذين اصطفى مثل عمر ، كأنهم حدثوا بشئ فقالوه ))

والمأثور عن عمر حوادث معدودات جاء الوحى بتاييده فيها ، فاذا كان ابو حنيفة ملهما الى هذا الحد بحيث يذكر الحشد الحاشد من المسائل ، ثم تظهر الاحاديث

المؤيدة له فان معنى ذلك انه المحدث الاوحد فى عالم المسلمين ، وانه الراجح على عمر رضى الله عنه رجحانا لا يدركه .

وهذا غير حق ، فما مثل عمر بن الخطاب فى أمة الاسلام محدث ، ولا يصح رجحان أبى حنيفة عليه .

وهذا يقضى بان ابا حنيفة اعتمد فى مسائله الكثيرة على الحديث ، وهذا هو الحق .

ومن الثابت أن ابا حنيفة تفرد برواية خمسة عشر ومائتى حديث سوى ما اشترك فى اخراجه مع بقية الأئمة (٣)

وفى (( مسند ابى حنيفة )) رواية الحصكفى واحد وعشرون وخسمائة حديث ، وفى المسانيد المروية عن أبى حنيفة بضعة آلاف من الحديث من رواية جمعها تلامذته ، مثل الامام أبى يوسف فى مسنده ، والامام محمد فى مسنده ، والامام الحسن بن زياد الكولوى فى مسنده .

وبين يدينا (( جامع المسانيد )) لقاضى القضاة أبى المؤيد محمد بن محمود الخوارزمى المتوفى سنة ٦٦٥ ه وهو مطبوع ، وفيه آلاف الاحاديث . وكتابه - هذا - مجموعة خمسة عشر مسندا .

وكان مع الخطيب البغدادى عند حلوله بدمشق مسندان هما : مسند ابى حنيفة للدار قطني ، ومسند أبي حنيفة لابن شاهين .

والكوفة فى عصر أبى حنيفة كانت مدينة

العلم كله قرآنا وحديثا وسنة ، ويكفى أن نعلم أن الذين خرجوا مع عبدالرحمن بن محمد بن الاشعث ، على الحجاج الظالم سنة ٨٣ ه بوقعة دير الجماجم من خيار التابعين والفقهاء أربعة آلاف حسب رواية الجصاص فى كتابه (( أحكام القرآن )) .

واذا كان فى رواية الجصاص مبالغة فليهبط العدد أى هبوط ، ولن يستطاع نفى ازدحام الكوفة بأعظم الفقهاء والتابعين فى عصر الامام الاعظم ، وفاقوا بعلمهم كل علماء الاعصار الاسلامية وفقهائها ، بل كان فيهم أفراد فاقوا بعلمهم كل علماء هذه الامصار .

يقول الشعبى أمام اهل العراق فى وصف أبى عمران ابراهيم النخعى المتوفى سنة ٩٥ من الهجرة : (( دفنتم أفقه الناس )) فقيل له : ومن الحسن ؟ فقال الشعبى : (( أفقه من الحسن ، ومن أهل البصرة ومن أهل الكوفة ، وأهل الشام ، وأهل الحجاز )) .

والشعبى هذا هو عامر بن تراحيل ، أحد الذين خرجوا مع ابن الاشعث على الحجاج ، وحسب الشعب فضلا وفخرا أن يؤثره الصحابى الجليل الفقيه الصالح : عبدالله ابن عمر بن الخطاب على نفسه بالحفظ ، ويشهد له عندما رآه يحدث فى المغازى قائلا : لهو أحفظ لها منى ، وان كنت شهدتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

( للبحث بقية فى العدد القادم )

( مكة المكرمة )

اشترك في نشرتنا البريدية