يلفت رئيس التحرير انظار القراء الكرام إلى هذا البحث القيم الجامع من (( ملاحظات غير عابرة الذى اماط اللئام فيه سعادة الاستاذ المربى عثمان الصالح عن ترجمة عالمين جليلين من بلادنا لم يكتب عنهما أحد فيما نعلم مثلما كتب . .
- ٢٤٥ - عالمان جليلان من بلادنا عبدالله بن سليمان بن بليهد وعبدالله بن صالح الخليفى
الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد من العلماء الاجلاء وكان رئيس المحكمة الكبرى فى مكة الى ١٣٤٥ ه وتقلب فى عدة مناصب قضائية الى ان انتهت فى عام ١٣٥٩ ه بوجوده قاضيا فى حائل . . وتوفى رحمه الله فى العام نفسه . . وكان ذكيا لماحا صادق الفراسة صادقا فى أحكامه . . وكان صديقا لفضيلة الشيخ عبد الله الخليفى المشهور الذى كان له مكانة فى العلم والادب الى جانب توغله فى العلوم الشرعية . . وكان الخليفى سريع البديهة وقادرا على الارتجال شعرا ونثرا وله مداعبات ومطارحات شعرية كثيرة - ضاعت مع الاسف - ومنها ان
الشيخ البليهد ، دعا صديقه الشيخ الخليفى الى مكان قرب حائل يقع غربها يسمى - عقده - وبعد الاكل اعد للأضياف - وكانوا مجموعة - مكانا جميلا فى بستان معروف مخضر الأشجار عالي الافنان وهيأ فيه فاكهة متعددة الاشكال مختلفة الانواع وعندما تكامل الجمع تخلف الشيخ - ابن بليهد - لما هو فيه من مسؤولية قضائية عاقته ان يكون فى الطليعة وكان من سجيته أن لا يؤخر قضية تعرض عليه ويرى ذلك واجبا عليه أوجب من أى حق آخر . . وقبيل حضور الشيخ هيأ الشيخ الخليفى أبياتا بدأها أحد تلاميذه بقوله :
اذا كنت فى ظل فسيح وبارد
فأجازه الخليفى بقوله :
فلا بأس من وضع العمامة والبشت !!
وطبق القول بالفعل .
وقال التلميذ :
وان جئ بالبطيخ والتين عاجلا
فاجاز الشيخ :
فلا تنتظر فى الاكل قاض ولا مفت
واردف الشيخ الخليفى أيضا :
لان مع القاضى جنودا كثيرة
وان مع المفتى رفيقا ومستفت
وفي الحال وهم يتفاكهون بالابيات دخل الشيخ - البليهد - وكان معه كثير من الناس . . فنهض الناس اجلالا واكبارا للشيخ . . ولكن الخليفى تبسم ضاحكا فسأله القاضى - البليهد - عن سبب هذه البسمة فى هذا المجتمع الكبير وهو يعرف ظرفه وخفة ظله . . فاعاد الخليفى تلك الابيات ، فعندها أمر الشيخ - البليهد - بالفاكهة فنظمت ورتبت حسب ما وصف . . ولقد بلغت هذه الابيات جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله واستحسنها وكان يتمثل دائما بالفقرة الاخيرة فى كل مناسبة عندما يأمر باحضار المائدة ويكرر .. (( ولا تنتظر فى الاكل قاض ولا مفتى ))
على انه مما يستحسن بهذه المناسبة أن هذه المائدة أعدت للتحدث بنعمة الله حيث تم الانتصار الحاسم فى الوقعة المشهورة عام ١٣٤٧ ه ه
أما (( الخليفى )) فقد ولد فى عام ١٣٠٤ ه وتوفى فى سنة ١٣٨١ ه . وأما الشيخ عبدالله بن بليهد فقد ولد فى عام ١٢٩٧ ه وتوفى عام ١٣٥٩ ه . . والشيخان الاول منهما من بلدة البكيرية احدى مدن القصيم والثانى من (( القرعاء )) من بلدان القصيم أيضا .
لقد أشرنا الى هذه الطرفة لا لانها طريفة فحسب ، ولكن لانها من الطرائف التى عرف بها الشيخ الخليفى وليت طلابه يرون لنا شيئا
من طرائفه . . انه شاعر يرتجل الشعر ارتجالا وعالم جليل ينظم الفائدة والحكمة والاحكام فى الحال . . وله قصص سارت مسير الامثال يرفعها طلابه واصدقاؤه . . انهم لو رووا لنا شيئا منها على صفحات المنهل لوجدوا من مجلتنا ترحيبا بالتحدث والاشادة بعلمائنا وسرد تاريخهم العلمى والادبى والعملى . .
اذن فنحن فى انتظار هذه الاحاديث .
- ٢٤٦ - عالم من علمائنا
الشيخ سليمان بن عطية بن سليمان من تلاميذ الشيخ عبد الله بن مسلم التميمى وتتلمذ أيضا على فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح الخليفى . . وهو طالب علم وأديب ونديم وفقيه ومن القراء على سمو الامير عبد العزيز بن مساعد حاكم منطقة (( حائل )) وله نبضات شعرية وان لم تدون الا انها محفوظة على ألسنة بعض زملائه ومن بين هذه القطع الادبية قوله مادحا وواصفا بلاده يقول :
ديار المعالي بين (( سمراء حائل ))
وبين أجا مغمورة بالفضائل
رسا ، في مغانيها سمو ورفعة
ومجد اثيل شائع فى القبائل
فلله ما انقى هواها من الاذى
وأطيبها بين البلاد لنازل
جرى ملؤها من شامخات جبالها
تلقته من فيض الغوادى الهواطل
فيهبط من سامى سماء مسيله
على كل نبت طيب الريح فاضل
ألذ من الشهد الشهى نميره
فبطحاؤها المرجان يبدو لخائل
ومنها : -
دليلى على ذا ان من حل دارها
ثنى عزمه شوقا لبلدة (( حائل ))
فكم قائل حييت يا بلد الندى
بسارية تهمى عليك بوابل
وهذه القصيدة قالها عام ١٣٤٣ ه . هذا وقد مدح سمو الامير بعدة مقطوعات وقصائد منها قوله :
غزال يدالى ناعس الطرف أكحل
يكسر بسهمى مقلتيه ويقتل
الى أن قال :
به اشرقت مذ جاء أرجاء حائل
وظل (( سماح )) فى كسا العزيز يرفل
فانا وان يبك القصيم لفقده
فوجه العلا فيفا به يتهل
فظلت به (( سلمي )) تميس كأنها
فتاة بدا كفء لها وهو أجزل
وظل (( اجا )) (١) به متصاغرا
لهيبته والشعر فى ذاك اجمل
وهذه القصيدة تزيد على الاربعين بيتا قالها ارتجالا فى مناسبة قدوم الامير لحائل أميرا عليها . .
والشيخ فقيه حنبلى نظم جل متن الزاد فى قصيدة أربت على ألفى بيت من الرجز بدأها بقوله على غلافها مرتجلا :
خذ العلم عن علم المجد بعزمه
مشيرا الى جل العلوم بفهمه
ولا تحتقر ما قاله متطفلا
فقوله الفتى يأتى على قدر علمه
وسامح ولا تفضح فكل سميدع
يرى نصح ذي التقصير آكد غرمه
وقل غفر الرحمن لابن عطية
خطيئاته بالعمد منه ووهمه
وله أيضا قصيدة نظمها في قواعد الفقه يقول فيها : -
الحمد لله على ما اولى
حمد مقر فضله للمولى
والحمد لله الذى فقهنا
فى دين خير خلقه علمنا
محمد صلى عليه الله
وآله الغر ومن والاه
وبعد خذ يا صاحبى قواعدا
فى الفقه اسس واغتنم فوائدا
وابن على الاساس خير مبنى
واحذر تظل المقتفى والمعنى
فكل من اتلف مالا في الورى
لغيره يضمنه بلا امترى
وقيمة التالف قول الغارم
من قابض للنفس بين العالم
وعدم التفريط ليس يقبل
الا ببرهان لدينا يعقل
وها هنا امر علينا يلزم
تنبيه من لا فى العلوم يفهم
اذا ادعى التلاف فيما بانا
فها هنا نلزمه البرهانا
وقابض العين لمن سواه
يقبل فى جميع ما ادعاه
والرد والعيب شرط واجل
فقول من ينفيه عند من عقل
وكل عقد يقتضى الضمانا
لم ينفه الشرط كما اتانا
وكل رهن فى الورى لا يقبض
فانه شرط لدينا ينقض
وبيعك المجهول لا ينعقد
نص على ذاك الامام احمد
وكل عقد جائز لا يلزم
وكل قرض جر نفعا يحرم
وكل شئ لا يباع شرعا
فرهنه ليس يجوز قطعا
لكن يجوز رهن زرع وثمر
قبل الصلاح عند اصحاب الاثر
وكل حيلة تجر للربا
فانما تحريها قد وجبا
وأبطلن تصرف المحجور
عليه كالغاصب والمسعور
وكل ما ليس بدين مستقر
وعرضه للفسخ مثل ما ذكر
فلا يصح بيعه ورهنه
ونحوه مما يعم حكمه
ولا يصح الرهن والكفيل
به كما قد قرر الجليل
وافهم لزوم العقد للكراء
لانه كالبيع والشراء
ويبرا المحيل بالحوالة
كاملة الشروط لا الوكالة
وعكسه لا يبرا المضمون
عنه اذا ضمنه المأمون
ثم الوكيل عندنا أمين
لانه فى فعله معين
وفى وفاء الدين اذ لم يشهد
يضمن ان انكر ان لم يهتد
والصلح قبل البيع فى الاحكام
كقسمة وهبة الانام
اذا أتى الجميع فى معناه
فحكمه الشرعى قررناه
والسلم المعروف عند الناس
خالف لواضح القياس
ويرجع المسلم ان تعذرا
وفاؤه برأس مال قدرا
ويحرم التقاط ما يمتنع
بنفسه إذا أتاه سبع
بقيمة أخذه ان تلفا
بقيمة لمثله قد عرفا
لكن مع الجحود مرتين
فى المذهب الاسنى بغير من
وسو فى عطية الاولاد
واعدل ولا تشهد على الفساد
فتمت القواعد المذكورة
معروفة عند الاولى مشهوره
رويتها عن كل حبر هاد
الى سبيل الحق والرشاد
وصل يا ربى على المختار
وآله وصحبه الابرار
ما اخضوضل النبت بهل الماء
من مزنة غزيرة وطفاء
ولعل القارئ الواعى يلاحظ سلامة القول وجمال السبك ووضوح المعنى فى هذا الرجز الرقيق .
ان الشيخ سليمان يعتبر من كبار
العلماء والفقهاء ولا ادرى هل سجل لهذا العالم تاريخ يحفظ لنا آثاره العلمية والادبية ؟ ان شاعريته هذه وان كانت رجزا الا انها تدل على بلاغة وبيان واضحين
هذا وقد توفى الشيخ سليمان بن عطية سنة ١٣٦٣ ه وكانت ولادته عام ١٢١٨ ه . . وهذه المعلومات التى استقيتها من أحد الاخوان تحتاج الى احد معاصرى الشيخ سليمان ليحدثنا عنه احاديث اطول وامتع وأعمق .
أما الشيخ عبد الله بن مسلم التميمى فقد توفى فى بلدة - الحلوة - احدى مدن الحوطة المنطقة وهى مسقط رأسه وذلك فى عام ١٣٤١ وقد رثاه الشيخ سليمان بن عطية بأبيات رقيقة لم يحفظها الراوى ولعل أحدا يحفظها فيسعدنا بها فى مجلة المنهل الغراء .
- ٢٤٧ - بعض المقطوعات الفقهية
والشيخ سليمان بن عطية الذى اشارت اليه الفقرة السابقة له قدرة على نظم الاحكام فمما قاله نظما فى الصور الاربع للعارية هذه الابيات :
لا تضمن العارية المقبوضة
فى أربع من صور محفوظه
فيما اذا اعارها المستاجر
او تلفت عارية لا تنكر
ومنها :
فيما لها اعارها المعير
أو تلفت فيما لها تشير
أو اركب المركوب من دوابه
منقطعا يرجو ثواب ربه
وللشيخ سليمان بن عطية قصيدة فى البيوع تربو على مائة وستين بيتا سماها الحائلية وله ألغاز كثيرة منها فى الرضاع فى مطلعها :
يا أيها العالم الهادى كما زعما
وظن انه فوق الفرقدين سما
حل العويص وحقق ما ادعيت به
فمن يحقق دعواه فما ظلما
الى آخر القصيدة التى لم يحفظ الراوى منها غير هذين ولا بد أنه محفوظ عند بعض طلابه .
-٢٤٨ - الفتى والفتاة - اذا نجحا- جمال المجتمعات
عند العامة عقيدة بأن بناتنا لسن لنا . . وقد نربيهن لغيرنا . . وهذه التربية قد تكون فائدتها لغيرنا - وقد يكون ما قالوه حقيقة من حيث النهاية والنتيجة . فالبنت التى تربيها وتهذبها لتكون ربة بيت ممتازة لتدير بيتا وتنجب اولادا وتشرف اسرتين بدل اسرة واحدة : الاسرة الاولى التى تشرفها هى أبواها ، لانها كانت موضع الثقة وموضع التربية وعند حسن الظن فهى مستحقة للتقدير حيث قامت بمهمتها خير قيام والفضل الاول للتربية الاولى تربية الابوين . . والاسرة الثانية التى تشرفها هى الاسرة التى انتقلت معها واستطاعت أن تنصهر معهم وان تكون عضوا نافعا فيما بينهم وحجرا كريما راسيا فى
أسرتهم فهى لها الفضل الاول فى صهر الاسرتين معا . . فلما لا يفتخر الابوان بينتهما ؟ ولماذا لا يكون الشرف الذى رسمته فى الاسرة الثانية منسوبا اليهما ؟
اذن فالبنت والولد سواء اذا صلحا فهما يجلبان المجد والشرف والسمعة الحسنة . . وما أجمل هذا النبأ الذى انقله اليك عن ادبنا الاسلامى وعن رجالنا الاماجد الذين كانوا وما بانوا ولا غابوا عن التاريخ
يقول النبا : -
- دخل عمرو بن العاص على معاوية ، وبين يديه بنته عائشة . فقال : من هذه يا أمير المؤمنين ؟ قال هذه تفاحة القلب . فقال له : انبذها عنك ، فوالله انهن ليلدن الاعداء ، ويقربن البعداء ، ويورثن الضغائن . فقال معاوية : لا تقل ذلك يا عمرو ، فوالله ما مرض المرضى ، ولا ندب الموتى ، ولاأعان على الاحزان مثلهن ، ورب ابن أخت قد نفع خاله .
فما أجمل ما رد به الصحابى معاوية على الصحابى عمرو بن العاص وما كره البنت ومقتها الا شنشنة جاهلية وطبيعة انحدرت من العادات التى كانت سيئة وموروثة فى ذلك العصر الجاهلى . وما زلنا نرد ونلوك أقوالا قيلت قبل الاسلام كقول الشاعر القديم فى البنت والابن :
بنونا بنو ابنائنا وبناتنا
بنوهن ابناء الرجال الاباعد
والحقيقة الواضحة أن بناتنا يقربننا من الاسر الفاضلة ويكثرن عددنا ويزودننا بالسمعة الطيبة ويشرفننا ويخدمننا عن وابناؤهن اذا دعت الحاجة . . ومن قال
غير ذلك فقد حاد عن الصواب . . واذا وجد شواذ من البنات لا يفدن آباءهن ولا يشرفنهم اذ تزوجن ، فذلك نادر ، ومثلهن الابناء الذين يشذون عن آبائهم ويجعلون من زواجهم وسيلة للبعد عن البيت والابوين ، وربما كانوا أشد سوءا وبعدا عن الاسرة والبيئة .
