- آنستى لماذا نأتى الى الفصل؟ - لنتعلم - ولماذا نتعلم؟ - لنتحرر - وهل تحررنا؟ - ...؟
تبتسم التلميذات عندما يجتزن الشارع ويقلن: أستاذتنا تدخن ولاستاذتنا عشاق ... فقد كانت الصغيرات ترينها كل مساء فى المقهى يحيط بها أصحاب وعشاق وكن يعجبن عندما يرينها مبتسمة ضاحكة وعابثة لان ابتسامتها وضحكها ينقلبان فى الفصل الى غضب وصراخ وعقاب. وكن يعجبن من أمرها ويسخطن.
- ما أمر الآنسة بــــ، ألم تجد زوجا؟ - اتعلمين لماذا تغضب علينا دائما؟ - لماذا؟ - لانها لم تتزوج. - ومتى سترتفع الاعداد؟ - عندما تتزوج
ويتفرق شمل الصغيرات فى انتظار زواج الانسة ب حتى ترتفع الاعداد فيشعرن بشئ من الدعة والطمأنينة فى الفصل.
عندما تدخل التلميذات الى الفصل يجب ان يبقين واقفات دقائق طويلة فى انتظار الامر بالجلوس لكنهن اليوم سيحلو لهن الوقوف لانهن فى انتظا المفاجأة.
حاجبان مرتفعان وشفتان متقلصتان واللوحة السوداء.
- من صور هذا القلب؟ - ...؟ - قلب من هذا؟ - ...؟ - طيب .. اجلسن ...!
وعندما تخلو القاعة من الآنسة يضحكن ويقلن: قلبها فى حاجة إلى سهم. هذا سرها. الا ان أضعفهن تضيف قائلة: آه متى يتم هذا الزواج
كانت الآنسة ب تحادث نفسها قائلة: هؤلاء التلميذات كضميرى فى سامة وحدتى. ولكنها تقول أيضا: هذه الطريق أمهدها وسأضحى ...
واقتنعت أنها لابد أن تعود الى البيت فى أعقاب الليل فى أية حالة كانت، ثملة أو صاحية فهذا لا يهم لان العودة فى أعقاب الليل تعنى اشياء واشياء واقتنعت أيضا أنها لا بد أن تظل الليل الى هزيعه الأخير فى فراش أحد الأصدقاء تعلمه كيف يكون الحب عندما تعطى المرأة كل ما لديها وهى واعية بما تصنع مدركة له تمام الادراك. فقد أقنعت نفسها أن هذه الطريق ستمهدها وستضحى. مريضة أنت والطريق وعرة والرجال ذئاب ويسكت الأب عندما يفتح الباب لانه كان يعلم أن ابنته مريضة والطريق وعرة والرجال ذئاب وأنها ستضحى: مسكينة أنت ومسكين أنا.
تسكت ولا تجيبه لانها آمنت أن تحارب بالصمت: الصمت مسكين أنت ومريض أنت والتعفن أنت وكلهم أنت. وتقفل الباب خلفها وتندك فى الفراش وهى تشعر ببرودة الوحدة وكلما دخلت الفراش تحاول أن تعاتب نفسها، لكن فكرة تسيطر على هواجسها: إننى لا أرفض، ولكنى أريد وأريد وأريد. ولكنها تشعر ببرودة الوحدة فتنكمش وتجذب الغطاء إليها قائلة: لم يصدق أبى الا في شئ واحد: الرجال فى بلدى ذئاب ولا يقبلون فريسة الذئاب وتبكى.
تقول التلميذات: اعجب ما فى الآنسة ب شجاعتها. ترافق من تشاء وتعود الى أهلها فى أعقاب الليل. لكن احداهن تشعر بشئ من المرارة: أتعلمن ماذا قال أبى؟ لن أذهب الى الجامعة لانه يخشى أن أكون كالآنسه ب.
- وماذا تصنع الآنسة ب؟ - تعود الى أهلها فى أعقاب الليل ولم تتزوج.
ظلت طول الليل فى فراشه وبين يديه، كانت تريد أن تقول له أشياء هامة، كانت تريد أن تقول له: الرجال ذئاب ولا يقبلون فريسة الذئاب. الرجال ذئاب مهما كانوا. الافكار والامر المقضى أمران لا يلتقيان دائما، لان شيئا لا يقوم من جانب واحد فى وطنى ولكن هل أنا حقا فى حاجة الى رجل بينى وبينه عقد. وأحست أنها تبحث عن شفتيه كأنها وجدتهما بعد غربة طويلة وبللت وجهه من كل مكان وقالت ((انى أحبك أحبك لانى أشعر أنى رغم الناس حرة فى أن أمنح حبى من أشاء)). وتذكرت أنها كل يوم عندما تدخل الفصل تجد صورة قلب مرسومة بدون سهم وتبكى حقا. وأحست حقا أنها سفينة تائهه بلا شراع.
بحث عن شفتيها بعنف ثم قال لها: ((أحبك وحبى لك أعنف من ثور أسبانى فى ساحة فسيحة)).
- وبعد؟ - أتزوجك لانك امرأة وجدتها. - والماضى؟ - دفنت فى حياتى كل ماض وتقيأت كل حضارة وتاريخ - وأنت؟ - زوج جديد سيعطى للزوجية مفهوما جديدا
ومسح دمعة فى عينها فأحست أنها سفينة قابعة فى ميناء بعد عاصفة هوجاء، سيقول الناس عنك أشياء ستلوك ألسنتهم حكايا قديمة.
وخرجا معا.
- الى أين؟ - الى المقهى حيث الاصدقاء - لكن لماذا؟ - لاعلمهم أنى تزوجتك رغم كل شئ - وهل هذا يهمهم كثيرا .؟
- شئ طبيعى. انهم فى حاجة الى صدمة عنيفة، فالفكرة ليست مضغة تحت أضراس منخورة.
دخلت الفصل. وقفت التلميذات. على اللوحة السوداء رسم السهم على القلب. ابتسمت وقالت اجلسن. وكادت تقول، هذه الطريق مهدتها ولكنها مازالت طويلة، أخذت كرسيها وظلت أمام المنضدة تقلب أوراق الدفتر وأحست بشئ من العياء عندما لاحظت تغيب احدى تلميذاتها.
- ما بال صديقتكن متغيبة؟ ابتسمت التلميذات ثم ضحكن.
- انها ستتزوج فى الاسبوع المقبل يا آنسة. - ماذا.؟. نفس الحكاية.
وأحست الآنسة ب بخيبة تحرقها فقد تعودت أن تلميذاتها لا يتغيبن الا لكى يتزوجن وحاولت أن تخفى خيبتها، فقالت مؤنبة.
- هذا عيب، من العيب أن تتزوج فى هذه السن، يجب أن تتعلم، يجب أن تعمل.
- ولماذا ندرس؟ - ندرس لنبنى ، لنبنى بناء صحيحا - ولكن لنتتزوج أيضا وأحست بدوار يلعب برأسها.
كانت قاعة الفصل رحيبة شاسعة يغمرها نور الشمس الصباحى الداخل اليها من خلال النوافذ وكانت السماء تبدو أفقية مترامية على الساحل البعيد وكانت الآنسة ب جالسة على كرسيها تنتظر الصغيرات من جديد فقد ظلت النافذة مفتوحة منذ أسابيع وتمتعت الصغيرات بأشعة الشمس وتنشقن نسيما ربيعيا خفيفا. يدق الجرس. تدخل التلميذات. يدق الجرس تخرج التلميذات تشق الآنسة الطريق. تدخل البيت.
مرت ساعة وساعتان ولم يأت.
