يحرج صدرى أن أثير هذه القضية ، لأنها تعد - فى حقيقة الأمر - من البطلان والزيف لو أمكن لمثقف ينتمى لأحد المعسكرين الثقافيين الولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد السوفياتى أن يطرحها على قواعد الحضارة المتوارثة ويعالجها على ضوء الواقع الحاضر اليومى .
ولقد ألقيت بالقلم جانبا المرار العديدة ورغبت عن طرح هذه القضية وعن معالجة جوانب منها تهم بلادنا خاصة ، وملامح من العالم الثالث عامة ، وعزفت عن ذلك تماما لاخذلانا أمام ما يسمى بالشجاعة الأدبية ، ونذالة حيالها ؛ ولا مسلطا مراقبة ذاتية على نفسى وعلى أفكارى حتى أفرز منها ما يلائم الأفكار الأخرى ، ويماشيها وأمحو على مضض ما ينشز عنها ؛ ولا خوفا من الاصطدام بالظنون المسبقة التى ما زالت راكدة فى بعض الأدمغة التى تتصف بالتفكير والتعبير ؛ ولا إحجاما أمام مسؤوليتى بوصفى كاتبا أعيش فى بلد يتوق الى التقدم فى كافة المستويات المعنوية منها والمادية ؛ وإنما مرد ذلك أنى وقفت حيران متسائلا عن قضية كان من المفروض أن تسوى ، ولا سيما قد مرت زهاء خمس عشرة سنة على الاستقلال !
وعدت إلى موضوعى مؤمنا به أعمق الايمان ، وبوجوب طرحه ، وبوضعه - أو بوضع جوانب منه على الأقل - على أسسه الحاضرة والماضية ، وبالنظر فيه ببصيرة مجردة عن كل الأهواء . . . معتمدا فى ذلك على ملاحظات شتى جمعتها فى السنوات القليلة الماضية خلال ما عشته من الأحداث الثقافية والأدبية ، وما طالعته من مجلات وكتب صدرت فى العالم الثالث ، وعنه ، وفى أثناء اختلاطى بالأعمال الأدبية والفنية ومعاشرتى للكثير من أصحابها فى بلادنا خاصة . -
النضال الثقافى والأدبى كالنضال السياسي سواء بسواء . . قبل الانغماس فى جوهر الموضوع وتحليله ، أريد أن ألفت انتباه القارئ إلى أمر أراه خطيرا جدا ، وهو النضال الثقافي والأدبى .
كلنا يعلم ان بعض الناس من المثقفين والاساتذة المحترمين كانوا إبان الاستقلال يهزأون بالعمل الثقافى والأدبى ، وبأصحابه ، ولا يرون فائدة فى الكتابة الأدبية ، ولا فى معارض الرسم ، ولا فى العروض المسرحية والسينمائية ، ولا فى صدور مجلتى " الندوة " و " الفكر " . وكان هؤلاء الرهط لا يكتفون بهذا الرأى زيادة على استهزائهم واحتقارهم فقط ، بل كانوا بنعتون الأدب " بالدروشة " وأصحابه " بالخبال " و " بالشعوذة " بل كانوا لا يرون نجاعة إلا فى عملهم التربوى أو الادارى أو الاقتصادى أو الاجتماعى أو السياسى . أما الأدب فهو " ترف غير ضرورى " . . .
واذا ما اتفق لهؤلاء القوم أن يلتفتوا الى الأدباء ، فان ذلك كان فى أغلب الاحيان من باب الاشفاق على حالهم ، فلم لا يدعونهم إذن إلى القاء الاشعار على موائدهم ، كالطفيليين ! ؟ . .
والأدهى أن هؤلاء البشر لم يكونوا يعترفون بأن فى البلاد أدبا وأدباء ، وانما كانوا يعرضون كل الاعراض عن ذلك ، زاعمين أن الفكر لا ينبت فى هذه التربة ! . .
ونحن إذا سعينا فى تحليل هذه النفسية ، وحاولنا التوغل فى تشخيص امراضها وآفاتها ، والبحث عن أصولها ومراجعها ، لا بد لنا أن نلاحظ أمرين اثنين :
1) ان أدمغة اولئك القوم مغلفة بالمفاهيم الثقافية الاستعمارية أو الأجنبية بحكم تكوينهم التربوى ، وبذلك لا تدرك هذه الادمغة أى مفهوم للحرية فى مجال الثقافة وأى معنى للنسبية فى هذا الباب أيضا .
2 ) أن هذه الأدمغة بحكم ذلك الغلاف الثقافى الذى يلفها بكثافته وسماكته من كل جانب غير واعية للواقع اليومى الجديد ، مواصلة فى عمهها وغلسها العمل الثقافى الاستعمارى أو الأجنبى ، غير شاعرة بأية سيادة .
والنتيجة الحتمية لهذين الأمرين أن الثقافة تصير مفارقة ( Alienation ) من جملة المفارقات التى يعانيها المثقفون غير الواعين فى العالم الثالث .
ومما لا شك فيه أن العمل الثقافى والأدبى الذى نجم فى السنوات القليلة الماضية فى صورة الجد والمثابرة والترابط المتواصل قد صدع ذلك الغلاف الرهيب ، وجرد بعض الظنون والآراء الوهمية من خرافيتها ، وانطلق يدعم بعد الارساء قواعد صحيحة لسيادة ثقافية وأدبية .
وإذا ما ألقينا نظرة على الأدب التونسى فيما قبل قيام السيادة السياسية تبين لنا ان الكتاب التونسيين أمثال الطاهر الحداد وأبو القاسم الشابى وعلى الدوعاجى كانوا لا يؤكدون فقط أنهم ينتمون لتراث حضارى عربى إسلامى ، ولا يثبتون من خلال ذلك فحسب وجود الشخصية الوطنية ، بفضل كتاباتهم بل كانوا أيضا وخصوصا يساندون السيادة الثقافية والأدبية التى نالها الانحطاط فى أركانها ، ويحافظون عليها من شر الانجراف الثقافى الاستعمارى ، ويذودون عنها بالانتاج . وفى تلك المساندة وهذا الصون والذود نضال ثقافى وأدبى باسل يستحق كل تقدير وإشادة ؛ إذ أن كل حرف من حروفهم كان قبسا مفتكا من مشعل الحرية الخالد .
فالطاهر الحداد رغم ما قيل فيه من الاقاويل ، ورغم ما نعت به من النعوت ، وأبو القاسم الشابى رغم صغر سنه ورغم رومنسيته ، وعلى الدوعاجى رغم ما اتصف به من الضياع فى المقاهى ، وتناول الحشيش والمخدرات والمسكرات ، كانوا جميعا مناضلين ( بالمعنى السياسى ) لا يقلون قيمة ولا باعا ولا اثرا عن الزعماء السياسيين والقادة النقابيين .
ذلك أن النضال فى مفهومه الصحيح حسب اعتقادنا ليس كما يتبادر إلى اذهان بعض من الناس : التظاهر على الطغاة فى الشوارع ، والصعود إلى الجبال ، وحمل السلاح ، والمشاركة فى حرب العصابات ؛ وإنما النضال جبهات شتى وميادين متنوعة وان النضال الفلسطينى اليوم ليعطينا صورة واضحة عما نقول : فياسر عرفات على الجبهة خارج فلسطين يقاوم الدخيل الصهيونى المحتل ، ومحمود درويش يعيش داخل خطوط النار يقاوم بشعره العربى السرطان الثقافى الاسرائيلى ، ويؤكد بذلك أنه سيد فى بلاده ، رغم الطغيان والقمع ، ويثبت بذلك أيضا أنه يناضل بحرفه فى سبيل استرجاع حريته المغتصبة !
فهل نقول إذن : إن نضال ياسر عرفات أرفع من نضال محمود درويش ، لان الأول يحمل السلاح ، ولان الثانى لا يحمل فى جمازته إلا قصائد ؟ ؟
فمن البديهى : إن كلا منهما يحمل سلاحا ، وإن كلا منهما يناضل بأداة لا نعوض الأولى الثانية ولا الثانية الأولى . لانهما ضروريتان فى معركة المصير الفلسطينى الفاصلة .
أعود إلى الموضوع فأقول : إن الغلاف الثقافى الاستعمارى الذى يقيد التفكير عند بعض المثقفين عندنا هو أصل الداء العضال وهو السبب الرئيسى فى الخلط المتعفن بين المفاهيم بله القيم .
وهل يدرك هؤلاء ان السياسة لا تقوم لها قائمة إلا بالثقافة الواعية . وإن السياسة بمفردها لا يمكنها البتة ان ترسى قواعد السيادة فى البلاد وبلاد العالم الثالث بالخصوص ، بما فى كلمة سيادة من قوة معنى !
وانى لأتساءل عند هذا الحد من التحليل فأقول : كيف لهؤلاء البشر المغلفة أدمغتهم ان يدركوا معنى السيادة الثقافية والأدبية ، بينما هم :
1 ) فى حل من الواقع الجديد اى غير واعين له وبالتالى يعيشون فى مفارقة تامة عن الحقائق الاجتماعية المتفجرة يوميا وعن ضروريات هذه الحقائق وحاجياتها المتزايدة ؟
2) يعيشون على مقاييس ومفاهيم وقيم ثقافية وأدبية ما زالوا يعتبرونها المثال والمنوال والقالب بالنسبة لكل عمل ثقافى وأدبى ، بينما يمكن تاريخ مقاييسهم ومفاهيمهم وقيمهم وارجاعها إلى أصولها فى الحضارة الغربية مثلا ؟
3 ) لا يدركون اى معنى للحرية فى المجال الثقافى والأدبى والحرية فى هذا المفهوم تعنى التجاوز وبالخصوص تجاوز التفكير الفردى إلى ربط الاتصال بالتفكير الاجتماعى ؟
وخلاصة القول ان هؤلاء يعيشون فى الكهوف الافلاطونية الظلماء . فكيف لهم أن يبصروا الدنيا فى قوة انفجار النهار ؟ وبتعبير آخر : كيف لهم أن يتصوروا الحرية فى حين انهم قضوا أغلب أعمارهم فى مخافة الاستعمار ؟
وإذا ما ألقينا نظرة أخرى على قضية السيادة الثقافية والأدبية فيما بعد استقلال الأقطار المتخلفة ، ولا سيما بعد مؤتمر باندونف حيث أعربت بلدان العالم الثالث عن رغائبها الملحة فى تكوين سيادة ، واسترجاع كرامة ، والدخول فى معارك التقدم ، نلاحظ الأمور الحاصلة من جراء الاوضاع الاستعمارية تزيد تشعبا يوما بعد يوما ، ولا سيما فى خصوص العلائق المباشرة بين السياسة والثقافة والأدب والفن .
وهذه الأمور العويصة المتشعبة راجعة إلى الانتفاضات ، والثورات ، والآمال الجامحة فى الحرية والعدالة الاجتماعية ، وبروز الشخصية الحضارية من تحت الانقاض .
والمعلوم أن هذه المنعرجات التاريخية التى تعيشها البلدان المتخلفة تؤثر فى قيمها ، ولعلها تحدث خلطا بينها شديدا ملتبسا حتى لا يتسنى للمفكر أن يحلل أكثرها ومعظمها إلا بعد وقت طويل .
ونحن سنقتصر على تحليل أحوال ثلاث ، اختلطت فيها السياسة بالثقافة إلى درجة اللبس ، وتشعبت فى طواياها الايديولوجيات السياسية والاقتصادية وامتزجت بالادب والفن وحتى العلوم الصحيحة إلى حد لا بعده حد ولا فك .
أولا : ان المثقف وعمله لا يحظيان باحترام الناس ، ولا بتقدير النخبة الحاكمة " . ففى هذا المعنى ، يتساءل بعض المسؤولين عن جدوى الثقافة والأدب والفن ، فلا يجيبون . واذا أجابوا جزموا بأن العمل الثقافى والأدبى والفنى من الاعمال المجانية بالنسبة لمجتمعات العالم الثالث . ويقول كثير منهم مدعما رأيه : هذه المجتمعات فى حاجة ماسة إلى الخبز اليومى ، والسكن اللائق ، والملبس المحترم ؛ وبحكم ذلك ، تكون هذه المجتمعات ألصق بالضروريات منها إلى الكماليات ، وإن حاجياتها المادية لتؤكد ذلك . وهذا هو واقعها الملموس ، ولا سبيل لنكرانه .
ولقد أعرب العديد من الحكام فى العالم الثالث إبان حركات التحرر والاستقلال عن هذه الآراء ، وشبيه بها . لكنهم مع مرور الزمن ، وتغير الأوضاع ، وتقلب الهياكل الاجتماعية ، تفطنوا إلى احكامهم الخاطئة ، إذ أنهم حسبوا أن الاستقلال السياسى هو السيادة ، بينما ليس هو إلا بابا على استقلالات أخرى وتحررات شتى ، كما قال أحد المفكرين العمالقة فى العالم الثالث سنة 1955 .
ورب بلد يتمتع بالاستقلال السياسى وحتى بنوع من الاستقلال الاقتصادى ، لا يعرف طعم السيادة لأنه مستعمر ثقافيا . ( كما نلاحظ ذلك جيدا بين أقطار الشرق الأوسط ) .
وانتهت هذه المرحلة بالمراجعة والمحاسبة . لكن العقول السياسية التى أدمنت تدبيرها على اقتطاف ثمرات النجاح العاجلة ، لا يمكنها فى رأيى أن ندرك معنى النضال الثقافى ذى المدى البعيد فى الزمن . لذلك تراها تتساءل : من الأنجع ومن الأهم ومن الأنجح : أكاتب القصة أم مهندس الجسر ؟ والحال ان المقارنة لا تستقيم ، لان كلاهما يعمل فى ميدانه وفى سبيل بناء صرح السيادة .
وسواء استقامت هذه المقارنة أو لم تستقم ، فان النتيجة لدى هذا الصنف من الساسة تكون دائما لفائدة المهندس على الكاتب ماديا ، وبالخصوص معنويا .
وقد تتجاوز عدم الاحترام والتقدير هذا ، إلى درجة التنديد والتشهير والوعيد اذا لم تكن المطاردة من النوع " الماكارتى " الشهير قانونا ، وذلك بالخصوص فى أيام المحن السياسية المستعرة حيث يكون الكاتب الحر كبش الفداء المفضل !
وإنى ما زلت أتذكر ذلك المثقف النير الحر الذى هجر بلاده العربية المتخلفة - هروبا عبر الصحراء على الاقدام - تحت وقع الوعيد والمطاردة والاعتقال .
وأنى ما زلت أسمع رنين صوت ذلك المغنى الحر الذى رمى به فى أحد سحون بلد عربى متخلف ، فمات فيه صبرا ، حتى لا يحرك بصوته الثائر شعور الشعب بالمأساة . وفى صوته أنين ، ونجوى ، ونشيج لن أنساه . . .
ثانيا : إن عمل المثقف او الكاتب تعده بعض الحكومات فى أغلب الاحيان من الابواق الدعائية لصالحها ، وذلك رغم أنف الكاتب إذا احتج . فى حين أن هذا العمل موجه بحكم واقعه وبطبيعته أيضا إلى الشعب الذى هو فى حاجة ماسة إلى التثقيف ، وشد أزر شخصيته ، وتركيز قيم الحرية ، والديمقراطية ، والعدالة الاجتماعية فى نفسه ، ومحاربة الجهل والأمية والخلط فى المفاهيم الذهنية الصنمية الرجعية . . .
.ثالثا : إن الكاتب يعيش دوما فى بعض البلاد المتخلفة تحت الوصاية السياسية الحاكمة التى جهزت له ولأمثاله شبكة محكمة التنظيم والدواليب حتى لا تفلت منها أية فكرة غير خاضعة للسلطان . . . كأن الكاتب صبى نزق لا يعرف واحباته ولا مصالحه ولا حقوقه ولم يبلغ سن الرشد والنضج ، أو كأنه رجل أهبل لا يميز بين صوابه وجنونه ؛ أو كأنه امرؤ غير واع للحقائق الاجتماعية المتفجرة فى كل يوم ؛ أو كأنه لم يعش المسؤولية ولم يدر مقتضياتها ؛ أو كأنه لا يشعر بوجوب استقطاب الهمم لبناء غد افضل لفائدة مجتمع يرزح تحت عبء ثالوث جهنمى !
والوصاية قد ظهرت منذ قديم الدهور . . . فقد عرفها سقراط فى كأس السم الذى تجرعه عن طاعة وطيب خاطر . وهى ما زالت الى اليوم بارزة بشكل أو بآخر فى بلدان العالم " الحر " يفرضها من بيدهم الحكم السياسى والاقتصادى ، ومهيمنة فى معظم البلدان الاشتراكية الأوروبية . إلا أن لها
طرافة فى بعض البلدان المتخلفة : فهى تتجسم فى كلمات تبدو مسالمة . لكنها ذو حدين . فهى تارة : إرشاد ؛ وطورا : توجيه ؛ وأخرى : تنظيم ، ورابعة : رقابة ! وهى أقساها وأشقها جميعا على نفس الكاتب والفنان والمثقف .
فالارشاد يعلم الكاتب كيف يغربل الأفكار ، ويفرز المواقف ، ويضبط الأحداث ؛ والتوجيه يخلق فى ضميره الرقابة الذاتية فتلقنه بدون وعى ، ما يجب أن يكتب وما لا يجب أن يقال أو يكتب ؛ والتنظيم يدعوه إلى التجند والخضوع . والرقابة تكبته وتعرفه الحرام والحلال إن لم تحرق فيه الطاقة الخلاقة . كل ذلك فى سبيل الملاءمة ، والمسايرة ، والوفاق ، والتوفيق !
وإنى لأتساءل كيف تخول بعض الحكومات فى البلاد المتخلفة لنفسها أن تعلن هذه الأمور وتطبقها بينما الشعوب والجماعات والأفراد فى حاجة ماسة إلى الحرية الثقافية والفكرية فى تدبيرها ، وتصرفاتها ، ومصيرها ، ونبوغها ، خصوصا وأن الاستعمار قد أوقع الخلل فى سلم قيمها ، فأعنت فكرها ، وقيد سلوكها فأجهض طلاقتها ، وزيف تاريخها فنال من نبوغها ، وحدد مصيرها بدون جدوى ! ؟ . . . فى حين أن الشعوب تترقب اليناعة التى وعدها بها الاستقلال السياسي ، لا سيما وأنها ظلت عاقرا قرنا أو قرونا تنزع إلى الاخصاب بكل قدرتها وامكانياتها ؟ والحال ان الشعوب لا تنبت على جبينها أكاليل الياسمين إلا عاشت مختلف الأفكار ، ومارست ديمقراطيتها ، وأعرب عنها وجدانها .
ونحن نعلم ان نظاما يقول بالتقدمية فى هذا العالم ويرى نفسه رائدا لها قد خلق بل أنتج أصنافا من الروبوات البشرية منها والالكترونية ، لانه يعيش نناقضا مخجلا بين أمسه ويومه ، أمسه الثائر ويومه المتحجر ، ولانه يعتبر نفسه الوصى الوحيد على مصير الشعب ، ولانه يحسب نفسه المفكر بالنيابة عن الشعب ، ولانه جهز شبكة " ثقافية " صنعها على قد مفهومه لها ، ولانه وضع الحرية الفكرية فى المحتشدات وحشرها فيها . . .
لم تستخلص بعض الحكومات فى العالم الثالث العبرة من " ربيع براق " الذى كسر حواجز الوصاية ، وتجاوز غصص السياسة الوطنية ، فأينع وأخصب وانجب فكرا وأدبا وفنا بلغ الأوج فى العالم اليوم ! . . . فكانت بذلك الثقافة الاشتراكية الحق ، وكان بذلك الفكر الحر الحق ! لكن . . .
وبعد كل هذا ، هل نستطيع أن نقول : إن بعض الأنظمة فى العالم الثالث قد ورثت تقاليد الاستعمار ، بل وحلت محلها ؟
قد يكون هذا من الاسراف فى الحكم ؛ لكن لو بسطنا قضية الحرية الفكرية فى العالم الثالث لرأينا أن الحرية فى هذا النطاق الجغرافى والحضارى والفكرى لم تعد تتضمن مفهوم الاكتساب ومعنى المطالبة والافتكاك ، ( حسب المفهوم الفلسفى الشائع والقائل بأن الحرية لا تعطى وإنما تؤخذ ) لأن الحرية قد تم إرجاعها بالقلم والسلاح من براثن الظلم الأجنبى .
أليست الوصاية وما شابهها من الالفاظ إذن تناقضا فى تناقض حين تعلنها وتطبقها بعض الحكومات فى العالم الثالث ؟ أليست الوصاية من هذه الزاوية من التحليل عدوانا مبيتا على الفكر ؟ أليست الوصاية فى هذا المعنى تخريبا لقواعد السيادة الفكرية ؟ أليست الوصاية فى هذا المعنى كذلك تعطيلا لسير التقدم ؟ وتخلفا مضافا إلى تخلف أصلى ؟ كيف الخلاص ؟
القيادات الفكرية والسيادة الثقافية والفكرية
وثمة قضية لها شديد المساس بمسألة السيادة الثقافية والفكرية والأدبية ولا سيما فى العالم الثالث ؛ وهى قضية القيادات الفكرية فى العالم .
إن القيادة الفكرية هى نتاج عوامل حضارية وثقافية واقتصادية وسياسية متشعبة ومختلفة . وهي استقطاب للقرائح والأفكار والنبوغ . وبحكم ذلك تشع اشعاعا قويا حتى تعمى بضوئها الأبصار والأفكار . فترغم الخارج عن حضيرتها على الاقتداء بها ومتابعتها فى سيرها وتقليد اتجاهاتها .
لكن مفهوم القيادة الفكرية فى العالم اليوم صار من المفاهيم القديمة . فالثورات التى تحققت فى مجالات الاخبار ، والابلاغ الجماهيرية فى الوسائل السمعية البصرية ، وفى ميادين المواصلات الجوية واللاسلكية ، وميلاد الاقطار الجديدة فى قارات أمريكا وإفريقيا و آسيا ، وحنين هذه الاقطار الى التعبير ، وشوقها الى التنافس مع جاراتها وكذلك مع الأقوى منها ثروة ، والأنضج منها سياسة ، والأعمق منها حضارة ، قد جردت جميعها خرافة مفهوم القيادة الفكرية من أساسه .
ذلك أن كل بلد من البلدان الجديدة قد وعى أنه لا يكون وفيا لنفسه ، مخلصا لتراثه ، متحكما فى يومه وفى مصيره إلا إذا انطلق من واقعه المحض فاعتمده فى نظرته إلى الدنيا وإلى الحياة ، وبدون ذلك لا يكون فكر طريف حقا .
ونتيجة لهذه الثورات والتحررات نجم مفهوم حديث فى العالم اليوم اسماه بعضهم ( Simultaneisme ) من علماء الاجتماع فى مجال المعرفة . وهو يعنى التواتر الثقافى والتتابع الفكرى والتلاحق الفنى . ذلك أنهم لاحظوا ، فى أغلب الامر ، أن فى كل بلد من هذه الدنيا ثقافة ذات خصائص تختلف فى ماضيها وحاضرها وربما فى غدها عن ثقافة البلدان الأخرى . ولاحظوا أيضا ان فى كل رقعة ثقافية حضارية فى العالم إشعاعا ثقافيا خاصا بها . كالرقعة الصينية والرقعة الاوروبية الغربية والرقعة الامريكية الجنوبية والرقعة الافريقية الناطقة بالانكليزية . ولاحظوا ثالثا ان كل هذه الرقعات تتفاعل فى ما بينها ويؤثر بعضها فى البعض الآخر فى تتابع مستمر . ولو وضع الانسان أمامه خريطة لأقطار العالم لرأى حسب هذه النظرة أن كل قطر ينبض بما فيه من الفكر والثقافة والفن بصورة متواترة ومتلاحققة .
لكن بعض الاخوان والزملاء وكذلك بعض المسؤولين الثقافيين فى بلادنا ما زالوا يعيشون تحت وقع مفهوم القيادة الفكرية ، ويوالونه كل الولاء . وفى ذلك جهل للواقع الجديد ، وعدوان عليه ، واستخفاف به .
ولست هنا فى حاجة إلى بيان هذا الولاء بيانا مفصلا فى مستواه السوسيولوجى ، والنفسانى الجماعى ، والثقافى الحضارى . فلقد بيناه فى غير هذه المناسبة فى فرصة سابقة . فاتهمنا بعضهم بالوطنية الضيقة ، والتعصب الثقافى ، والشذوذ القومى . لاننا حاولنا تحريك أدمغتهم التى ما زالت إلى اليوم تخضع لسلطان فكرى غير نابع من هذا الواقع ولا صادر عنه ، ولا منغمس فيه ، ولا غائص عليه ، ولا متحرك فيه .
وهؤلاء الاصحاب والزملاء حاججناهم كثيرا فى ندوات شتى . وقلنا لهم : إنكم :
1) تتبعون غيركم فى مسائل اللغة . فلا تسمحون لأبناء واقعكم باستعمال ما وجب استعماله من الالفاظ والأساليب واللغة إلا إذا ما اخذتم الاجازة من هذا الغير .
2 ) تقلدون غيركم فى مضمون انتاجكم وفى شكله .
بينما هذا الغير يقتبس مضمون انتاجه وشكله عن غير آخر . فكانت انتاجاتكم بمثابة الثقافة الفرعية فى المستوى الثانى او فى الاصطلاح الحسابى بجذر 2 .
3 ) أنكم تغمطون حقكم بانفسكم عندما تتبعون وتقلدون إذ أنكم بصنيعكم هذا تمحون شخصيتكم ، وتنالون من كرامتكم ، وتخربون سيادة بلاد كم وتعدمون الحرية فى تفكيركم وكذلك فى انتاجكم .
4 ) أنكم بصنيعكم هذا تعدون بلادكم فرعا لا أصلا ، وغصنا لا جذعا ، وعجلة لا محركا .
5) أنكم بصنيعكم هذا تبذرون بذور الغربة ، وتشجعون على الكسل ، وتجحدون . . . فيصير الكاتب الاجنبى بذلك فى بلادكم الكاتب القومى ويصير الكاتب القومى فى بلادكم الكاتب الغريب ، المغمور ، الذى لا يحترم ، الذى يجحد ويحتقر !
6) أنكم بكل ذلك تخلقون القضايا الزائفة ، فتخلطون بين القيم ، وكذلك بين المفاهيم ، فيكون المأزق الفكرى العقيم ! . . .
وعلى الرغم من اتهامات أصحابنا ، فاننا ما زلنا نؤمن بالحج التى قدمناها ونذود عنها ، لأننا نراها أقوم سبيل للابداع والخلق والجهد والمثابرة والاعتماد على الواقع .
التعليم والسيادة الثقافية والأدبية
إن مراجعة مقومات التعليم فى بلادنا وفى أقطار العالم الثالث لهى واجبة . لأن التعليم هو العصب العرد الذى ترتكز عليه السيادة الثقافية والأدبية . وفى أغلب رأيى ، يجب ان تتم مراجعة التعليم حسب مقتضيات الواقع الجديد وطبقا لما نهدف إليه من خلال مصيرنا واستنادا إلى نماذجنا الثقافية العريقة .
ولست أدرى لم لم تقع مراجعة التعليم والبرامج التربوية فى الابتدائى والثانوى والجامعي ( وفى مستوى تربية الشعب من خلال الاذاعة ) منذ الاستقلال إلا بقدر ضئيل وضنين .
ولو القى الانسان نظرة واحدة على فهرست كتاب " النصوص " الأدبية
لانزعج ! ولا شك أنه سيلاحظ أن الكتاب القدامى هم أضعاف الكتاب المحدثين من جهة ، وان الكتاب الاجانب هم أضعاف الكتاب الوطنيين من جهة أخرى .
فكيف يكون تكوين التلميذ والطالب ؟ لا ريب أنه سيقع فى مفارقتين نقصيانه عن معرفة واقع بلاده . الأولى : الماضى وثقله . فاذا أثقل الماضى عطل السير وأرغب التلميذ والطالب عن المعرفة وقطع بينه وبين يومه . واذا كان هذا الماضى غير الماضى التاريخى الحقيقى ، عطل كذلك وحد من التقدم وهلك بدل الصلاح والاصلاح . وإن التلميذ لا يعرف من ماضى بلاده الأدبى إلا اسماء قليلة . والحال أن هناك كتابا عنوانه مجمل تاريخ الأدب التونسى ألفه المرحوم حسن حسنى عبد الوهاب الذى أراد أن يلفت به الانظار من طرف خفى إلى أن هذه البلاد انجبت الكتاب والشعراء والمفكرين فى القديم والحديث .
وزيادة على كل ذلك ، فانه ليس صحيحا ان النصوص القديمة تعلم ما يسمى الفصاحة والبلاغة وروح العربية . فالحديث من النصوص أجدى لانه ناجم عن الواقع الحي الذى تعيشه البلاد وتحياه العربية . ويكون من سداد الرأى ان يتعلم التلميذ والطالب لا أسماء البعير وأشعار الجن والوقوف على الاطلال وخمريات الأعشى وأبى نواس بل الالفاظ التى يكون فى حاجة اليها عندما يصف سيارة وطائرة ومعملا لتكرير النفط والآلات الزراعية المختلفة ، والتراكيب المرنة التى يؤثرها على التراكيب الفرنسية حين يرغب فى التعبير عن الواقع الجديد ، وان يقرأ النصوص التى تلقنه الحرية ، والمبادرة ، وأعمال الخلق والاختراع ، والفعل ، والنجاعة .
الثانية : الحديث الأجنبى من النصوص يحول انتباه التلميذ عن واقع بلاده وحقيقتها ويرغبه عنها بحكم خلو كتاب " النصوص " أو يكاد من " النصوص" الوطنية . وان هذه النصوص الأجنبية لتعرف التلميذ والطالب واقعا آخر غير واقعه . فهما يعلمان عن البلاد الأجنبية أكثر مما يعرفان عن بلادهما . وإن اتخاذ اللغة كمقياس أمثل لاختيار " النصوص " غير صحيح لانه لا يمكن ان ينسى الأستاذ والمعلم والمربى ان جملة من المقاييس هى التى تتحكم فى هذا الاختيار ومن بينها مقياس اشعار التلميذ والطالب بالاعتزاز بوطنه وبما أنجبه هذا الوطن من تفكير وكتاب .
ولا شك أن كتاب " النصوص الأدبية لتلاميذ السنة السادسة من التعليم الثانوى " يعطى صورة واضحة للذهنية التربوية التى أعدته ، أقل ما يقال فيها
انها ما زالت تعيش على كتاب " الأدب العربى " لحنا الفاخورى . وهو أبشع كتاب عرفته فى تاريخ الأدب .
ورغم عدم اختصاصى فى ميدان التربية ، فانى أعلم على كل حال ان المربين فى العالم يراجعون مفاهيمهم دوما خوفا من الركود والتحجر ، وخاصة خوفا من عدم تكوين الناشىء التكوين العصرى الصحيح الذى يساعده على مواجهة قضايا العصر والتغلب عليها .
فهل راجع أصحابنا فى التربية مفاهيمهم لا فى التربية والتعليم فقط ، بل أيضا فى مجال معارفهم فى الأدب التونسى والعربى وتاريخهما وتصنيفهما ؟
وهل تفطنوا إلى أن التلميذ يتجاوب كثيرا مع نص لأحد الكتاب التونسيين أكثر مما يتجاوب مع نص لأحد الكتاب الاشقاء ولو أن القاسم المشترك بينه وبيننا هو اللغة ؟ أما الواقع بكل عناصره المتشعبة فلا ! ؟
وهل تفطنوا إلى أن الذى حشروه من الأدب التونسى الحديث فى كتاب " النصوص " المشار إليه آنفا لا يبلغه التلميذ اللهم بعد امتحانات السنة الدراسية اى فى الصيف ! ؟
وهل وعوا " أن التعلم فى الصغر كالنقش على الحجر " واننا نريد ان يكون هذا النقش بحروفنا وأدواتنا حتى يصلح هذا الحجر لبناء الصرح المنتظر ؟
ملاحظة : وبعد ، لقد قدمت بعض التحاليل التى تخص جوانب وقضايا ومسائل لها مساس متين بالسيادة الثقافية والأدبية ولم أتحدث من السيادة نفسها . فلذلك أرجىء مقالا تحليليا ونظريا خاصا بها .
