مقدمة عامة :
العمل الاجتماعي العربي المشترك (*) ، هذا المفهوم الشائع فى الاستعمال السياسى ، يحمل عديد الدلالات والمعانى . ورغم كثرة الاستعمال ، فان هذا المفهوم لم يفقد معانيه الجوهرية . فهو يعنى التدخل القومى المشترك فى مختلف مجالات العمل الاجتماعى وضبط معايير سياسة تكاملية فى هذا الميدان ، وفى ذلك تجاوز للسياسة القطرية المحدودة من حيث الامكانات والكفاءات وتوفير لمناخ قومى من الحركية .
فقد طال الاهتمام العربي بمجالات العمل السياسى المشترك ولكن نتائج نصف قرن كانت ضئيلة أو تكاد تكون منعدمة . فالاهتمام بالمجالات الاجتماعية اقرار بفشل العمل السياسى وضرورة البحث عن مصادر بديلة للعمل المشترك .
العمل العربى المشترك بدأت ملامحه تتضح أكثر فأكثر ويبرز كعنصر متميز فى عملية البناء الحضارى العربى .
وهذه الخطوة استجابة لتطلعات قومية وانسانية وفى ظل واقع يتميز بالتباين السياسئ والتناقض الجوهرى .
ومن منطلق أن الواقع الاجتماعى العربى أرضية للعمل الاستراتيجى العربى بما يتيحه من امكانيات وكفاءات ومشاكل مستعصية ، فانه من الضرورى الاسراع بوضع استراتيجية قومية للعمل الاجتماعى . فالعمل الاستراتيجى فى أى مجال من المجالات تجاوز للموقف السياسى الذى يتسم بالآنية والظرفية . فاذا ما كان مجال العمل السياسى متعثرا لظروف هيكلية ومنطقية فان مجالات أخرى قادرة على أن تفيد الانسان العربى وتجنبه العثرات . وفى مجال العمل الاجتماعى فان جهود العمل المشترك جهود حديثة لان التعاون الاقتصادى هو الطاغى على الانشطة المشتركة .
ولقد بدأ الآن الاهتمام يتجه الى العمل الاجتماعى باعتباره ميدانا للعمل المشترك .
فما هى الشروط الابتدائية لانجاح المشاريع الاجتماعية العربية المشتركة ؟
ان نجاح أى مشروع عربى مشترك مرتبط بتوفر حد أدنى من الشروط التى تضمن استمرارية هذا المشروع خصوصا فى مجالات العمل الاجتماعى .
ان العمل الاجتماعى وسائل وأساليب واختيارات . ومن ثم يتوجب تحديد طبيعة الوسائل المستعملة ( عمل ثنائى على مستوى الاقطار أو قومي أو بواسطة المنظمات العربية والصناديق المتخصصة ) ونوعية الاساليب ( تقديم الاستشارة أم الاكتفاء بتقديم المعونة لكل تعاون قائم ) والاختيارات ( الفلسفة والتصور للعمل الاجتماعى ) . ولا يمكن أن ننكر أن الساحة العربية تحوى العديد من المشروعات الاجتماعية المجهضة وشبه الميته والمرتبكة وذلك يعود الى عديد الأسباب :
* الارتباك السياسى والسرعة فى الانجاز وانعدام الرؤية الواضحة لهذه المشاريع
* غياب أساليب محددة فى مجال العمل الاجتماعى وضعف مقدرة الوسائل على الحركة .
* عدم وجود فلسفة أو استراتيجية تخطط وتبرمح العمل المراد انجازه .
ولنأخذ مثالا على ذلك : ان تنقل العمالة بين بلدان المغرب العربى وأقطار الخليج العربى لا يخضع لرؤية استراتيجية ولا تنظيم اجرائى تأخذ بعيين الاعتبار الحاجيات الاساسية للاقطار المصدرة والمتقبلة لليد العاملة .
فموضوع تنقل العمالة من قطر الى آخر يمكن أن يجسد فعلا بداية عهد جديد من العمل الاجتماعى العربى المشترك ، لو حددت الاساليب والوسائل والفلسفة .
وليس من باب التشهير القول بأن الوطن العربى يحتاج الى مسح شمولى لكل أوجه الاحتياحات التعليمية والصحية والاقتصادية ومختلف أصناف الكفاءات والمهارات العربية التى يمكن أن تسد هذه الحاجيات .
ومثل هذا المسح ضرورى لانه يحدد مجالات العمل الاجتماعى العربى المشترك والا تحول العمل الى ارتجال وارتباك وفوضى .
ولسنا فى حاجة فقط الى مسح للاحتياجات والكفاءات بل الى تخطيط أشكال الملاءمة بين الحاجة والامكانية .
ولذلك فغياب هذه الملاءمة وانعدام توظيف عقلانى للكفاءات العربيه فى سوق الحاجيات يلجئان أقطارا نفطية غنية إلى الاستعانة بكفاءات أجنبية تتسبب فى مشاكل اجتماعية هامة بحكم عدم التلاؤم الثقافى والحضارى .
فالعمالة الاجتماعية التى تغرق بلدان الخليج العربى مصدر لمشاكل اجتماعية انفجارية ، فى حين أن السوق العربية مليئة بالعمالة المؤهله . ولعل ، لعل أول مشروع احتماعي قومي هو ترشيد الاستفادة من العمالة العربية ووضع خطة قومية للملاءمة بين الحاجيات والطاقات المتوفرة . وان أول ما يعنيه هذا المشروع هو الاتفاق بين الاقطار العربية على تشغيل الكفاءات العربية قبل أية كفاءات اخرى ، ( الآسيوية مثلا ) . للحد من هجرة العمالة العربية الى أوروبا . بالإضافة الى انشاء مراكز قومية للتدريب والتأهيل وتلقى التكوين الفني الراقي . فالاعداد النظرى والمهنى الموحد يحول العمالة العربية الى مجال استثمار قومى قادرة على تعويض اكثر من ثلاثة ملايين من الايدى العاملة الآسيوية والاوربية فى منطقة الخليج العربى .
وليس خافيا على أحد أن العمل العربى المشترك فى الوطن العربى اشكالية حديثة وفاعلة فى ظل سياق رأسمالى يتسم بالحمائية المتشددة والهيمنه المستمرة ولكن تأثير هذا الفعل القومى مرتبط بوجود تشريعات اجتماعية تقدمية وقيادات مستعدة لادراك واستيعاب ضرورات وحتميات العمل المشترك فى المجال الاجتماعى .
ولعل شرطا أساسيا لا يجب أن يغيب عن الاذهان وهو ضرورة تحييد العمل الاجتماعى عن آنية الموقف السياسى للارتقاء بالاعداد الاجتماعى الى مستوى الثبوت والاستقرار من أجل خلق تقاليد واعية ومسؤولة .
ان استقرار العمل الاجتماعى العربى ضرورة هيكلية لا محيد عنها ، والا تحولت المشاريع الى حرث فى البحر لان استقرار العمل الاجتماعى العربى يعنى ببساطة استقرار السياسة الاجتماعية فى شكلها الشمولى ، فى حين أن الارتباك مصدر دائم للفشل السريع لكل المشاريع المخطط لتنفيذها . ولعل الارتجال السياسى هو العائق الرئيسى أمام العمل العربي المشترك مع أنه لا تنكر أهميته لانه يهدف الى اعانة الاقطار العربية على وضع سياسات عمل اجتماعى مكتملة ومنظمة من حيث التشريعات والاجراءات والهياكل ، اضافة إلى تحقيق مبدأ ديمقراطية تقديم الخدمات الاجتماعية خاصة فى المجتمعات التى تطغى عليها الصبغة الريفية وتعيش حالة من انفجار الطلبات على الخدمة الاجتماعية .
وتعنى أيضا قومية العمل الاجتماعى والتخطيط والمتابعة والمواجهة النقدية من أجل تقويم أخطاء وثغرات هذا العمل والوصول الى حل المشكلات المستعصية وحل هذه المشكلات يتم من خلال الاستفادة من الكفاءات العربية وقومية الاعداد المادى والمعرفى لها التخطيط المنهجى ، وهو ما يتطلب الحد الادنى من التنسيق فى العمل بين الاقطار العربية والمنظمات المتخصصة فى المجالات الاجتماعية .
كما اننا لا نغفل فى هذا المجال الحديث عن أهمية تغطية مجالات العمل الاجتماعى . بحثا ودراسة وتقييما من أجل وضع المقاربات العلمية وتكوين تقدير احصائى لكل المجالات لان التراكم المعرفى والبحثى أساسى فى تطوير ميادين العمل الاجتماعى .
فالوطن العربى محتاج الى ارساء دعائم شبكة قويمة للمعلومات والدراسات تستفيد من خبرتها كل الاقطار العربية فى ميادين العمل الاجتماعى لان الاحصائيات ليست مجرد أرقام ومعادلات حسابية بل هى الدعامة الفعلية لكل عمل مخطط وموجه . ولعله من الضرورة بمكان ان نشير الى ان المنظمات العربية المتخصصة مطالبة بتكوين شبكة من الخدمات الاجتماعية القومية التى تعمم على كل الاقطار العربية فى حالة الكوارث والنكبات .
وهى مطالبة أيضا بخلق تجارب قومية نموذجية فى ميدان العمل الاجتماعى العربى المشترك تستفيد منها كل الاقطار العربية لتطوير خدماتها الاجتماعية لانه على اختلاف التجارب فان المثال الميدانى مدعاة للاحتذاء والتقليد .
وضروري أيضا أن تتوحد المصطلحات والنظم الاحصائية الاساسية فى ميدان العمل الاجتماعى كركيزة لقومية العمل الاجتماعى .
وبناءا على كل ما تقدم فان المحدد لنجاح العمل الاجتماعى العربى المشترك من التخطيط الواعى والتحمس القومى من قبل الكوادر المشرفة والمنفذة للبرامج الاجتماعية فى الوطن العربى ولسائل أن يتساءل عن أهمية العمل الاجتماعى على العربى المشترك والمجالات التى يمكن ان يتحرك فى اطارها .
ولقد تبين ان العمل العربى المشترك مجال تأثير على القرار السياسى وتجاوز لظرفية وآنية الاختبارات العربية الراهنة ، وتكمن الاهمية لهذا العمل فى تعدد مجالات الاهتمام والتدخل المباشر والاشراف . فاذا فانت الممارسة السياسية تتسم طيلة ربع قرن بالفوضى والاعتباطية فان الممارسة الاجتماعية أحوج ما تكون الى التصور الاستراتيجى العقلانى لان المستفيد الاول هو الانسان العربى .
فالعمل الاجتماعى العربى المشترك يفيد تنمية للمجتمعات العربية من الداخل وتوفيرا لحظوظ نجاح السياسات الاجتماعية القطرية . ولقد ظلت أغلبية الاقطار العربية تتخبط فى الارتجال والارتباك لعدم قدرتها على الملاءمة بين الحاجيات فى ميدان الخدمة الاجتماعية وبين الامكانيات المتوفرة فى هذا المجال . فاذا كانت البلدان الخليجية تعتمد أساسا فى تنفيذ مشروعاتها الانمائية على العمالة الآسيوية فان ذلك لا يمكن اعتباره عاملا مشجعا لانجاح السياسيات الاجتماعية لهذه الأقطار . فهذه العمالة الآسيوية تخلق توترا هيكليا ( tension structurelle ) فى النسيج الاجتماعى والثقافى للاقطار الخليجية . ومن ثم يتوجب ترشيد عملية الاستعانة بالعمالة الآسيوية والبدء فى عمل مرحلى وتدريجى لتعويضها بقوى عمالية عربية مؤهلة وقادرة على الاندماج فى النسيج الاجتماعى . ولعل مسألة الاندماج مرتبطة بتجانس ثقافى وحضارى ، ولذلك فان اختلال هذا التجانس يؤشر لحدوث توترات متعددة الوجوه .
وليس هذا التصور للعمل الاجتماعى العربى المشترك تصورا وظيفيا ( Fonctionnaliste ) لانه مرتبط بمنظور تقدمى للسياسة الاجتماعية . فالانعكاسات المباشرة وغير المباشرة تكون سلبية أو ايجابية حسب تقدمية الاختيارات الاساسية للعمل الاجتماعى . ويمكن القول بأن المجتمعات العربية مجال خصب للتدخل الاجتماعى .
فما هى مجالات التدخل الاجتماعى المباشر ؟
- اعانة أغلبية البلدان العربية على بلورة سياسات اجتماعية تتجه الى تنمية قوى الانتاج الداخلية وعلى صياغة تصور واضح للتنمية الاجتماعية .
- التدخل المباشر لارساء دعائم مؤسسات وهياكل العمل الاجتماعى وفق الحاجيات والامكانيات الداخلية للمجتمع المعنى بالدراسة .
- دراسة مظاهر وآثار انتقال القوى العاملة بين البلدان العربية من ناحية والبلدان الاوروبية من ناحية أخرى ، والتعرف على التأثير الداخلى لهذا التنقل سواء على بلدان المنشأ أو بلدان الاستضافة .
- وضع التصور النظرى والمادى لسوق العمل العربية والتفكير فى ضبط أسس التعامل داخلها وافادة كل الاقطار العربية من خدماتها .
- وضع استراتيجية قومية لتحفيز وعقلنة مشاركة المرأة فى التنمية الشاملة .
- اعداد خارطة اجتماعية قومية تمسح كل مجالات تدخل العمل الاجتماعى المشترك ، وضبط ميادين التنمية الاجتماعية .
- اعداد تصور عملى لتنمية المرأة والطفل العربيين وضبط صيغ وخصوصيات المؤسسات والهياكل المساعدة على ذلك .
- اعتبار التعليم من حيث الحاجيات المؤسسية والهيكلية مجالا من المجالات الحيوية للعمل الاجتماعى المشترك .
- ضبط صيغ وقف استنزاف الكفاءات العربية وتوظيف الكفاءات غير المهاجرة توظيفا قوميا والتفكير فى استقطاب الادمغة العربية المهاجرة .
_ تطوير هياكل ومؤسسات الاعداد المهنى والنظرى للقوى البشرية العاملة فى المجال الاجتماعى وتطوير المحتويات الدراسية والاكاديمية .
- اعتبار تطوير الواقع المادى لقطاعات الصحة والشباب استثمارا مستقبليا يتوجب دعمه والارتفاع به الى مستوى أرقى .
ان العمل الاجتماعى العربى المشترك مجال مجال لممارسة الارادة القومية وتوظيف الكفاءات البشرية والموارد المالية العربية فى انجاز حضارى يتجاوز آنية واعتباطية الموقف السياسى ويخلق تقاليد العمل الاستراتيجى الثابت والفاعل فى البنى الداخلية للمجتمعات العربية . . .
ان العمل الاجتماعى على المستوى القومى يمكن ان تكون له اهتمامات رئيسية مثل :
- ايجاد صيغ عملية لتوطين المجتمعات البدوية وادماجها فى البنية الاجتماعية الشاملة والتنمية الوطنية .
- تطوير المجتمعات الريفية وتدعيم بنيتها الانتاجية فى اطار تنمووى تكاملى خاصة بالنسبة للاقطار العربية ذات الهيمنة الزراعية ( تونس - المغرب - الجزائر العراق - السودان - مصر . . )
- تنظيم سوق قومية للعمالة العربية وترشيد الاستفادة منها واخضاعها لعمل تشريعى وتنظيمى يعقلن وضعها الاجتماعى ويمنع التجاوزات التى قد تنجر عن معاملات الاعراف .
- تدعيم وتطوير الجهد القومى لرفع الامية الابجدية والحضارية لدى الانسان العربى ، خصوصا وأن نسبة الامية فى الوطن العربي تتجاوز 68 وهي تعتبر تقريبا من أرفع نسب الامية فى العالم . وتصل هذه النسبة على المستوى القطرى الى 92 % فى بعض الحالات . وانه من الضرورة بمكان أن نشير الى تشتت وارتباك القطرية فى الوطن العربى . ويمكن ان نسجل فى هذا المجال وجود نوع من التراجع ان لم نقل تقل تقلصا فى السياسات العربية فى ميدان محو الامية . ولعل تخطيطا قوميا فى مجال محو الامية يمكن أن يكون فاعلا ومؤثرا فى البينة الثقافية للمجتمعات العربية .
- وضع أسس ودعائم تصور شامل للاستفادة من خريجى الجامعات العربية بدل استقطابهم من قبل المجتمعات الرأسمالية فى اطار التقسيم العالمى للعمل .
- اعانة الاقطار العربية على صياغة نماذج خصوصية فى مجال السياسة الاجتماعية وملاءمتها مع المعطيات الواقعية للمجتمعات العربية .
- العناية بالطفولة العربية وتنميتها نفسيا واجتماعيا وثقافيا والتفكير فى ايجاد صيغة مشتركة لاستفادة الاقطار العربية من تجارب بعضها البعض فى مجال الطفولة .
- ضبط قائمة المهن المندثرة ( الصناعات التقليدية - الصناعات الحرفية . . . ) والعمل على تدعيمها باعتبارها ركيزة للتوازن المجتمعى .
- توجيه الاستمار القومى لرؤوس الاموال العربية نحو مجالات استثمار اجتماعية ( صحة ، أنشطة شبابية وثقافية ) .
- تخصيص صناديق دعم مادى وتدخل مباشر لمقاومة الآفات الاجتماعية والطبيعية مثل التصحر وزحف الرمال والتلوث التى تعانى منها اقطار عربية عدة ( الصومال - بلدان الخليج العربى - بلدان المغرب العربى ) .
ان مجالات العمل الاجتماعى متعددة ومكثفة ولكنها تحتاج الى تخطيط استراتيجى قومى يقوم بتعبئة الجهود والامكانات العربية .
