عن عبد العزيز بن عبد الله بن باز الى من يراه من اخواننا المسلمين وفقنا الله واياهم لفعل ما يرضيه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته : -
اما بعد فيا ايها المسلمون . هذا شهر شهر القرآن والرضوان . شهر الطاعة والاحسان . شهر الرحمة والغفران شهر رمضان قد اظلتكم ايامه وهلت عليكم بشائره تحمل اليكم بشرى مضاعفة الحسنات ، وتكفير السينات . والعتق من النار . والفوز برضى الله . قال صلى الله عليه وسلم ) كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر امثالها الى سبعمائة ضعف قال الله تعالى الا الصوم فانه لى وانا اجزى به انه يترك شهوته وطعامه وشرابه من اجلى للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم اطيب عند الله من ريح المسك ( فاستقبلوه ايها المسلمون بالفرح والسرور ونية الاكثار من الطاعات وتقديم القربات والاقبال على العبادات والتوبة من السيئات وصوموه ايمانا واحتسابا يغفر الله لكم ما تقدم من الذنوب فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : من صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه " فما اعظمها من نعمة وما أجلها من بشرى . وفي هذا الشهر المبارك تسلسل الشاطين وتفتح ابواب الجنة وتغلق ابواب الجحيم وينادى دعاة الهدى ايها المسلمون هلموا الى طاعة الله هلموا الى رضوان الله . هلموا الى العتق من النار هلموا الى الجنة فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم انه قال
" إذا كان أول ليلة من رمضان غلقت ابواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت ابواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد ياباغي الخير اقبل وياباغي الشر اقصر ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة حتى ينقضي رمضان " فلبوا ايها المسلمون منادي الخير واستجيبوا لداعي الطاعة واقبلوا على صيامكم بنفوس صافية راغبة فيما عندالله وقلوب خاشعة زاهدة فيما يسخط الله وتزودوا في شهركم هذا بكل ما يزيدكم قربا من ربكم واشغلوا اوقاتكم فيه بالاعمال الصالحة من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القران والمحافظة على الصلوات المكتوبة مع الجماعة ، واغتنموا قيام ليالي رمضان بالصلاة والقراءة والذكر والدعاء فقد قال صلى الله عليه وسلم من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ، ومن قيام رمضان صلاة التراويح المعروفة فقد كان الناس فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يصلون اوزاعا فى مسجده عليه الصلاة والسلام وقد صلى بهم صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال فى رمضان ثم ترك ذلك وقال انى اخاف ان تفرض عليكم صلاة الليل فلما توفى صلى الله عليه وسلم واستقرت الشريعة الكاملة جمعهم عمر رضي الله عنه على امام واحد في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل الناس على ذلك الى يومنا هذا وصلاة الليل موسع فيما وكان صلى الله عليه وسلم يصلى غالبا احدى عشرة ركعه يطيل فيها القراءة و الركوع والسجود ويسلم من كل ركعتين ويوتر
بواحدة ولما سئل عن صلاة الليل قال " مثنى مثنى فاذا خشي احدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى ، متفق عليه فدل هذا الحديث الشريف على التوسعة ، فى صلاة الليل في رمضان وفي غيره ودل فعله عليه الصلاة والسلام على ان قيام الليل باحدى عشرة ركعة يطيل قيامها وركوعها وسجودها افضل من الاكثار مع العجلة وكثير من الناس يصلي في رمضان صلاة لا يعقلها ولا يطمئن فيما وذلك لا يجوز لان الطمأنينة في الصلاة من اعظم فرائضها واركانها وكل صلاة لا تؤدى بالخشوع والطمأنينة فهى باطلة كما صح عن النبي صلى الله وسلم انه قال للذى اساء في صلاته ولم يتم ركوعها ولا سجودها " ارجع فصل فانك لم تصل " حتى فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال يا رسول الله والذى بعثك بالحق لا احسن غير هذا فعلمني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قمت الى الصلاة فكبر ثم اقرا ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاته كلها " متفق عليه .
فيا معشر المسلمين اتقوا الله في صلاتكم واطمئنوا فيها واحضروا قلوبكم بين يدى الله فان الصلاة هى قرة العيون وراحة القلوب ونعيم الارواح وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : " إذا قام احدكم فى الصلاة فانه يناجى ربه " وقال صلى الله عليه وسلم وجعلت قرة عيني في الصلاة فانت ايها المسلم في الصلاة تناجي ربك وتقرأ كلامه وتسأله بانواع الدعاء فاخشع فى صلاتك واجعلها قرة عينك حتى تستريح فيها وتخشع لربك وتؤدى حقه كاملا فتفوز بالقبول والمغفرة والحياة الطبية وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم
فيصلى ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه الا وجبت له الجنة وصح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال : ارايتم لو ان نهرا بباب احدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شئ ؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء . قال : فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا وصح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر فاغتنموا ايها المسلمون هذا الخير العظيم وحافظوا على الصلوات بخشوع وطمأنينة ولا سيما فى هذا الشهر الكريم واحذروا مسابقة الامام في الصلاة فقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه قال انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا فاذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع واذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد وقال صلي الله عليه وسلم : ) اما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الامام ان يحول الله رأسه رأس حمار او يجعل الله صورته صورة حمار . ( .
ايها المسلمون انكم في شهر عظيم تضاعف فيه القربات وتعظم فيه السيئات وترفع فيه درجات المحسنين فاستكثروا فيه من الاعمال الصالحات . واكثروا فيه من اطعام الطعام والصدقة على المحتاجين فقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم جوادا كريما وكان اجود ما يكون فى رمضان فتأسوا به صلى الله عليه وسلم واحسنوا الى عباد الله بانواع الاحسان وقد قال صلى الله عليه وسلم ) من فطر صائما كان له مثل اجره من غير ان ينقص من اجر الصائم شىء ( وكل مسلم يستطيع ان يتصدق بما يسر الله له كما فى الحديث ) اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة فمن لم يكن لديه ما يتصدق به فقد جعل الله له بكل تسبيحة ، صدقة وكل
تحميدة صدقة وكل تهليلة صدفة وكل تكبيرة صدقة والأمر بالمعروف صدقة والنهى عن المنكر صدقة وحتى فى شهوته الحلال يستمتع بها له فيها صدقة فقد صح ان ناسا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله ذهب اهل الدثور ) يعني اهل الاموال ( بالاجور يصلون كما نصلى ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) اوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به ان بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهى عن المنكر صدقة وفي بضع احدكم صدقة ( قالوا يا رسول الله اياتي احدنا شهوته ويكون له فيها اجر ؟ قال ) ارايتم لو وضعها في حرام اكان عليه وزر ، فكذلك اذا وضعها فى الحلال كان له اجر ( وقال صلى الله عليه وسلم احب الكلام الى الله اربع سبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة الا بالله فانظروا ايها المسلمون الى فضل الله عليكم كيف يسر لكم سبل الثواب وطرق الطاعات وجعل لكم على اللفظ القليل الثواب العظيم فاشكروه على فضله عليكم ورحمته بكم وتخفيفه عنكم وتزودوا من طاعته بما يرضيه عنكم واكثروا من هذه الاذكار التي حثكم عليها نبيكم صلى الله عليه وسلم . واحذروا ايها المسلمون ان تفعلوا ما يجرح صيامكم او يبطل اجركم من الاقوال السيئة والافعال المنكرة كالغيبة والنميمة والكذب والسباب واللعن والقذف وشهادة الزور والدعاوى الكاذبة والايمان الفاجرة وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم واكل الربا واكل اموال اليتامي وشرب المسكرات والغش في المعاملات والخيانة فى الامانات وغير ذلك من المعاصي التي نهى الله عنها فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ) الصوم جنة ما لم
يخرقها قيل بم يخرقها فان بكذب او غيبة ( وقال عليه الصلاة والسلام " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة ان يدع طعامه وشرابه . وقال عليه الصلاة والسلام الصيام جنة فاذا كان يوم صوم احدكم فلا يرفث ولا يفسق فان امرؤ سا به احد فليقل اني صائم . فاتقوا الله عباد الله واحذروا ان يكون حظكم من صيامكم الجوع والعطش ومن قيامكم السهر والتعب . والصيام شرعه الله للناس لحكم كثيرة واسرار عظيمة منها انه زكاة للجسد وتطهير للنفس وتمرين لها على الصبر ومخالفة للهوى وتذكير للعبد بفضل ربه عليه ونعمه السابغة التى متعه بها وتنبيه للاغنياء على عظيم نعمة الله عليهم وان لاخوانهم الفقراء حقا فى أموالهم فلا ينبغي ان ينسوهم . فليكن صومنا زكاة لاجسادنا وطهورا لنفوسنا ومهذبا لقلوبنا وجنة لنا من عذاب الله وحافزا لنا على طاعة الله وداعيا لنا للعطف على المساكين ومساعدة المحتاجين وفطاما لانفسنا عن الشهوات المحرمة وكبحا لجماحها عن المحرمات فاذا صمنا عن الطيبات التى احل الله فلتصم جوارحنا عن المعاصي والآثام التى حرم الله فى رمضان وفي غيره فلا نطلق ابصارنا الى ما حرم الله علينا ولا نتناول بايدينا ما لا يحل لنا ولا نخط باقدامنا إلى معصية ولا تنطق السنتنا بما لا ينبغي ولا تستمع آذاننا إلى ما حرم من الاعانى المنكرة والاصوات الخبيثة ولا نسر فى انفسنا او نطوى جوارحنا على ما يغضب الله علينا وانما الواجب علينا ان نستعمل جوارحنا فى طاعة الله التى اوجب علينا ونشغل أفكارنا واوقاتنا فيما يرضى الله عنا
وان رئاسة الجامعة الاسلامية بالنيابة بالمدينة المنورة مهبط الوحى ومارز الايمان حينما توجه هذا النداء المخلص الى جميع
المسلمين فى كل مكان عن هذه المعمورة اسأل الله سبحانه ان ينفع به وان يجعل هذا الشهر مباركا على المسلمين وان يتقبل منهم صيامه وقيامه ويوفقهم لكل ما يحبه ويرضاه وان يعيده عليهم وهم في احسن
حال وان يهدى قادتهم وزعماءهم للتمسك بدينه وتحكيم شريعته والحذر مما خالفها انه سميع قريب وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم .

