حفزنى للكتابة فى هذا الموضوع تعليق نشرته مجلة " الفكر ( 1 ) " على مقالة نشرتها في مجلة " الاديب العراقي " عنوانها " امارة للشعر وامير للشعراء " ، وامير الشعراء في هذه المقالة هو الشاذلى خزندار من شعراء تونس الكبار . وقد عرضت في هذه المقالة لشعر الشاعر وقلت فيما قلت : انه لم يبلغ من روعة الشعر ومستوى الابداع ما يجوز مبايعته اميرا للشعراء ، ولم يأت منه الا رصف القوافى بعضها الى بعض ." . وقد قلت : ان اخواننا التونسيين لا يؤمنون بالقول المشهور : " منا امير ومنكم امير " . وكانهم يرون فى انفسهم الوجه البارز المعبر عن افريقيا الشمالية ، وربما ارادوا ان يقولوا للمشارقة : اننا مثلكم او خير منكم .
وقد بويع هذا الشاعر الامير على هذه الامارة كما بويع اخ له من قبل ، ذلكم هو احمد شوقي اميرا لشعراء المشارقة . اما صاحبنا الشاذلى خزندار فقد بايعه مواطنوه التونسيون وفيهم شاعر القيروان محمد الفائز
ولا ادرى كيف خلصت مجلة " الفكر " الى القول : اني اتهم التونسيين بالغرور والصلف والتظاهر بالسبق في كل المجالات . وانا اريد ان ادفع هذه التهمة ، ومعاذ الله ان ارمي قوما بالذى جاء على صفحات المجلة او اغمزهم بشيء لا يرضونه وقد لمست فيهم الخير والفضل ، وكيف اتهمهم بمثل ذلك وقد خبرتهم فوجدت فيهم الصديق الكريم والسيد الوفي والعالم الجليل .
وقد ابى المعلق الفاضل ان تنسب مبايعة الفائز القيروانى الى شىء من التملق والتقرب "وفاء " لروح الشاعر الصادق الرقيق محمد الفائز الذي لم يعرف انه كان ميالا " للتملق والتقرب"
أما انا فساعود الى شعر السيد خزندار ليقف القارىء على قيمته الفنية وعلى قيمة بيعة شاعر القيروان اياه بالامارة .
ولابد من التوجه بالشكر للسيد المعلق الذي حفزته مقالتى فعلق عليها خدمة للتاريخ.
ووفاء للنقد الادبى ، وأشهد انى قد افدت منه فصححت من وهم دفعت اليه فنسبت الشاعر الى زمرة الوزراء ولم يكن له ان عرف هذا المنصب . ولكنه على اى حال من طبقة عليا ومن أرومة علية تصل به الى البيت المالك وان لم يبعده مقام هذا البيت عن الانغمار صفوف الشعب .
وكان السيد المعلق لم ترضه الاحكام التى وردت فى مقالتى فى حق أمير شعراء الخضراء فمضى يقول : " فما رأى الاساتذة : الفاضل بن عاشور وزين العابدين السنوسى والصادق مازيغ ومحمد الحليوى والهادى العبيدى ومصطفى خريف والهادى العامرى وعثمان الكعاك.
وانا اريد ان اشرك هذه الزمرة الفاضلة فى الذى ساعرضه من شعر الشاعر ولكنى استثنى من هؤلاء السيد العامري الذي طلع علينا فى العدد السادس من مجلة الفكر لهذا العام بمقالة عنوانها " امير شعراء الخضراء الشاذلى خزندار " استجابة لنداء المجلة في عددها السابق. وكأني به قد امسك القلم والغضب قد ملك عليه كل شئ على هذا " التجني والكذب " الذي لحق بأمير شعراء الخضراء ، فلم يشا الا ان يغمس هذا القلم في الخل فيزعم اني كتبت ما كتبت عن قصد سئ ، ولا ادرى كيف جوز لنفسه هذا الزعم الباطل.
وقد سررت بادىء ذى بدء بنداء المجلة في العدد السابق واستطلاعها آراء السادة الافاضل ، حتى إذا طلع علينا العدد القابل ورايت السيد العامري مستجيبا للنداء توقعت الخير وظننت انه سيصحح خطا ويراب صدعا وان له من اصوله ومواده وادواته ما يعين على بلوغ هذه الغاية فقرات المقالة آملا ان اجد فيها نماذج تغير رأيي في شعر الشاعر الذي بينته في المجلة العراقية ، ولكنى لم اجد شيئا من ذلك وأنا آسف اشد الاسف . وساعرض للموضوع كله ذاكرا النماذج التى اعتمدتها انا والتي اقتبستها من كتاب " الادب التونسي في القرن الرابع عشر " ( 1 ) للسيد زين العابدين السنوسي احد السادة الذين استطلعت " الفكر " رأيهم فيما قلت فى شاعر الخضراء الامير كما ساعرض لنماذج السيد العامري لاطلع هؤلاء السادة الاكرمين ولاطلع جمهرة القراء الذين يعرفون الشعر فيقدرونه قدره ، على القيمة الفنية لادب الشاعر الامير وانا آسف ايضا الا تكون مقالة السيد العامرى قد خدمت النقد الادبي بقدر ما ارضت هوى وعاطفة فدفعت تجنيا لحق بالادب التونسي كما توهم السيد العامري في مقالته الغاضبة .
وانت ايها القارىء ربما تعجب من عنوان مقالتى هذه فاقول لك : اننا معاشر العرب مشارقة ومغاربة ما زلنا نعانى هذه الاقليمية ، هي اقليمية تطغي على احكامنا في السياسة والاجتماع وآلادب ، وليس من غايتى ان اتكلم فى السياسة والاجتماع فلم اتهيأ لذلك ، ولكنى أريد ان اشير الى هذه الاقليمية التى تسود النقد الادبي فيما نصدر من احكام ، فما زلنا نلصق النعوت المجلجلة والالقاب المدوية لشعرائنا فهذا شاعر العرب الكبير ، وهذا شاعر العراق الاكبر، وهذا امير الشعراء ، وهذا شاعر النيل ، وهذا شاعر القطرين ، وانت تعرف أن هذه النعوت لم تخدم النقد فى شىء ، وان كثيرا من ادب هؤلاء لا يرقى عن مستوى الرصف الذي تقتضيه مناسبة عابرة . يفتقر الى القيمة الفنية افتقارا أصيلا كما يقول النحاة ، ولا يحتفظ الا بالفائدة التاريخية .
وبعد اليس هذا من دواعي هذه الاقليمية الضيقة ؟
ولنعد إلى أمير شعراء الخضراء لنقول فيه الكلمة الاخيرة معتمدين على مختارات السيد السنوسى والمختارات التى جاء بها السيد العامرى.
اما مختارات السيد السنوسى فمنها قصيدة عنوانها " الحر " ( 3 ) فلنسمعه يقول :
الحر من لا يستكين لمرهق فعليك خصمك مم ويحك تتقى
واصدع بحقك في الاباة ولا تقل " إن البلاء موكل بالمنطق "
فالى م تستجدى وحقك بين شلت يد تمتد للمتصدق
تبا لمن ألف الخنوع لغاشم ما تلك إلا شيمة المتملق
أولى وأحرى أن يبيت على ظما من ظل من ماء المهانة يستقى
فيم احتمالك والكوارث جمة ممن يراك بنظرة المتفوق
صم وعمى ساخرين تطاولا منا كأنا فى الورى لم نخلق
وعلى هذا النحو يستمر الشاعر فى هذا النظم الذى يعوزه وحدة البناء ، واتساق بين المعانى بحيث تأتى وكأنها قد أفرغت في وحدة متماسكة ، ولكن الشاعر يملك شتيتا من الافكار العامة يوزعه على عدة هذه الابيات فيلتزم طابع الموعظة وأسلوب النصيحة ، وما أظن أن في ذلك شيئا يمس الفن الرفيع. وإرسال الفكرة على هذا النحو شىء يعرض للنظامين فضلا عن الشعراء المبدعين .
ثم إنك إذا فحصت القصيدة بيتا بيتا وجدتها تفتقر إلى عناية فى البناء وإلا فهل لك أن تسيغ بناء هذا البيت :
أولى وأحرى أن يبيت على ظما
من ظل من ماء المهانة يستقى
وأنا أسائل هؤلاء السادة الذين استطلعت الفكر رأيهم ليقولوا إن كانت هذه القصيدة من شعر أمير للشعراء أم من النظم الذى لا يرقى بصاحبه إلا إلى رتبة النظامين:
ثم تعال معي أيها القارىء لنستمع إلى قصيدة الشاعر " نداء " التى يقول فيها :
نادت بنيها الديار بالله أين المصير
هذا على يغار وذا على يغير
التونسي بني أضحى بحقى ينادى
لكنما ذو الغى رآه أعدى الاعادى
حيث اغتدى فى الحى يقول هذى بلادى
وحق هذا الآبى قامت به الآثار
الى ذويها تشير
من يرتضى بالدنايا لم يفتكر بالمعالى
عش سيدا فى البرايا معززا بالرجال
كم فى الزوايا خبايا فانهض بها فى الحال
وخض غمار المنايا فما هى الاعمار
وهل لها تاثير
كن مؤمنا بالله لا مؤمنا جغرافى
فى يقظة وانتباه كالسادة الاسلاف
ما فى ارتكاب المناهى ما بين باد وخاف
الاكبار الدواهى الا الدواهى الكبار
والاندحار الكبير
ثم يتكلم على الدستور فيقول :
ادأب عليه وطالب به الخصوم الا لدا
لم تأت - والله غالب - يا صاحب الحق إدا
لاسلب يبقى لسالب مهما طغى وتعدى
كن بالعزيمة جالب ما تبتغيه الديار
فأنت فيها الخبير
نقرأ هذه القصيدة فى أفكارها الوطنية فلا نحس الحماس المتقد ، ولا نستطلع زحمة الصور الشعرية التى تترجم هذا الحماس ، وإنما نرى نغما
باردا ينداح على هذا النمط الحكائى فى سرد الافكار التي تشغل بال العامة ، والتى يتحدثون بها سحابة يومهم فى زمن طغى فيه المستعمر أيما طغيان .
تقرا هذه القصيدة فلا تلمس فيها ماء ولا رواء كما يقول النقاد الاقدمون ولكنك لا تعدم ان تجد عناية فى الرصف ، ألا ترى أن الصدور قد بنيت على قواف متسقة كما بنيت الاعجاز على شىء من ذلك .
على أن فى هذه العناية ما يذكر بأساليب المتأخرين من شعراء الفترة المظلمة انظر الى قوله :
هذا على يغار وذا على يغير
لندرك هذه العناية المفضوحة فى " الغيرة " و " الاغارة " ، وهذا التجانس لم يتهيأ عفوا
ومن هذه العناية على نحو ما جاء فى شعر المتأخرين قوله :
ما فى ارتكاب المناهى ما بين باد وخاف
الاكبار الدواهى الا الدواهى الكبار
فقوله : " الاكبار الدواهى " ثم إعادته العبارة نفسها فى العجز بالتلاعب فى المضاف والمضاف إليه اسلوب مملول مبتذل وهو من باب رد العجز على الصدر ، ثم ان استعماله " المناهى " لا يؤدى " المنهى عنه " ، فهو جمع " منهي" مثل " مسعى " والمراد هو زنة اسم المفعول . وهو يبدأ اربعة الابيات هذه بقوله :
كن مؤمنا بالله لا مؤمنا جغرافى
وهو يريد " بالمؤمن الجغرافي " كما نلمس في البيت المؤمن بالطبيعة والمنكر لله ، وما أرى أن استعماله " جغرافى " يسعفه فى ترجمة هذه الفكرة .
ولا أريد أن أترك هذه المقطعات قبل أن أشير إلى أن الشاعر قد نقل فيها شيئا فيه مسحة من العامية الدارجة . ألا ترى فى قوله : " فما هى الاعمار وهل لها تأثير " شيئا من هذا التأثر بالعامية فى استعماله " وهل لها تأثير " ثم انظر الى قوله :
ادأب عليه وطالب به الخصوم الالدا
لم تأت - والله غالب - يا صاحب الحق إدا
فقوله : " والله غالب " عبارة تلوكها آلسنة العامة كل يوم وإن كانت من مادة فصيحة ، وهذه العبارة يعرفها التونسيون دون سواهم . .
ولست أرى وجها لمجاوزة الشاعر ، أو قل أمير الشعراء للفصيح المشهور فى قوله:
" وطالب به الخصوم الالدا " فالالد صفة لمفرد وهو الخصم ، أما الخصوم فينبغي أن توصف بالجمع فكان يلزم أن يقول : " الخصوم اللد " جريا على قوله تعالى : " وتنذر به قوما لدا " فاللد بضم اللام جمع الالد. وماذا عسى السيد العامرى أن يقول في هذه التجاوزات ! أهى هنات من حقها ألا تذكر أم هى مراعاة اقتضاها الوزن ، وكيف لا يحاسب بعد أمير للشعراء فى ارتكاب شئ من ذلك .
هون عليك - أيها القارىء - ولا تضق ذرعا فسأطيل عليك لاوطنك على هذا النغم " الخزندارى" يبكى الشاعر فى قصيدة " ضحايا " المجاهدين الابرار فيقول :
نبكى لفرقتهم وهم أحياء سبعا بكتهم تونس الخضراء
ما كان فى كفى الحسام وانما من تحت فكى حية رقطاء
أرسلتها حصبا على مغتالهم فتريه ماذا يفعل الشعراء
سأهز من قومى الذين بلوتهم ما ترتضيه الهمة القعساء
عربية الاحساس فى نخواتها لله تلك النخوة العرباء
دعهم يريقوا يزهقوا يستنزفوا ينفوا يبيدوا يفعلوا ما شاءوا
فى هذه الابيات يبكى الشاعر ضحايا الوطن ، فالموضوع جليل ، وكان يستدعى من الشاعر قصيدة عامرة غير هذه الابيات ، يستوفى فيها ما تقتضيه هذه المناسبة الكريمة ، غير أن الشاعر لم يستطع أن يتخلص من طريقته فى إرسال الافكار بصورة لم يمسها الفن تصويرا وخيالا وعاطفة . نقرأ مطلع هذه المقطوعة فنجده مثقلا بتجاوز نحوى فقد قال : " وهم أحياء " ثم جاء بالعدد على هيئة التذكير " سبعا " وليس لنا أن نقول أن " سبع " تتبع " الضحايا " عنوان القصيدة ، ذلك أن عود العدد على المعدود القريب " نبكى لفرقتهم وهم أحياء " .
قد تقول : هذا شىء هين ، وأنا أقول معك : إنه هين لو تهيأ للشاعر أن يبلغ فى مقطوعته شيئا من الاجادة الفنية .
أقول : موضوع القصيدة جليل خطير ، ولكن هذه الخطورة لم تنس الشاعر من اللعب بالالفاظ ، ألا ترى إلى الجمع بين " كفى " و " فكى" فى البيت الثاني مما يذكرك بصناعة المتأخرين المبتذلة . ومثل هذا قوله :
عربية الاحساس فى نخواتها لله تلك النخوة العرباء
وهذه ايضا صناعه مبتذلة ، الا ترى إلى التكرار في عجز البيت فهو يكاد يكون إعادة للصدر وهذا ما اسموه بالمرصود من القوافى . وماذا يقال في شاعر يحرص على هذه الالاعيب البديعية!
ثم انظر الى البيت الاخير :
دعهم يريقوا يزهقوا ....... . .
الا ترى أن " الاراقة " غير واقعة فى حيز الطلب ، فلم تكن جوابا للفعل الامر " دع " وعلى هذا فليس من الحق أن تجزم كما توهم الشاعر ..
واعود إليك - ايها القارىء - لاخبرك أن صاحبنا الشاعر الامير ممن عالجوا باب المعارضات ، وباب المعارضة تقليد محض ، فقد حلا له أن يعارض ابا نواس فى خمريته المشهورة :
حامل الهوى تعب يستخفه الطرب
كما عارضها أحمد شوقى وغيره . أما قصيدة خزنه دار فهي :
راحة النهى الطرب هاتها فلا عجب
الدنان مترعة والخمور تنسكب
والكؤوس جارية طاف فوقها الحبب
الى آخر هذه القصيدة الطويلة التى لا تخرج عن إطار القديم في مبناها ومعناها . ويصف الشاعر واحدة من الانسيات من " بنات العفاف " فيقول:
بين المزارع والحقول طفقت بمفردها تجول
طورا على هام الصخور وتارة بين السهول
كالظبي فى فلواته ألف التسلق والنزول
إلى أن يقول :
فرنت الى شجى رنو الظبى بالطرف الكحيل
تقرأ مطلع القصيدة فتجد استعماله " بمفردها " وما أظنك مستملحا هذا الاستعمال فهو يريد أن يقول " وحدها " وهذه أخف وارشق ، ثم تقرأ هذه القصيدة الطويلة فترى أن الشاعر لم يخرج عن أسلوب القدماء في التشبيهات وارسال المعانى ، وأنا أحيلك على هذه القصيدة فى كتاب السيد السنوسى. ولكنى لا أترك القصيدة دون أن أشير إلى البيت الاخير فيها وهو:
فلتهنأ الازواج ما اقترنت بربات الحجول
وأظنه أراد " ربات الحجال " فالحجال جمع حجلة ، وهى قبة تضرب للنساء لها أزرار تشد عليهن ، كما جاء فى إحدى خطب أمير المؤمنين على بن ابي طالب : "يا اشباه الرجال ولا رجال ، حلوم الاطفال ، وعقول ربات الحجال" أما الحجول فشىء غير هذا فهو جمع الحجل بكسر الحاء أو فتحها وهو الخلخال .
ويختم السيد السنوسى منتخباته بقصيدة فى وصف " دقة " المدينة الرومانية العتيقة ، والقصيدة من شعر الشاعر النفيس بدقة وصفه ورائع خياله فهو يقول :
أطلال دقة والرسوم خوال ما للمبانى الخاويات ومالي
عبث الزمان بها كما عبثت به فكلاهما فى صدمة ونزال
الى آخر هذه القصيدة التى يأتي فيها على وصف معالمها التاريخية فى تأمل حالفه الفن.
وأعود الآن للسيد العامرى الذى أشكر له نصحه " بمراجعة بيان شعر أمير شعراء الخضراء " فأقول له متلطفا إن النماذج الشعرية التى جاءت في مقاله لا تعين كثيرا على تغيير الحكم الذى اسلفته فى شعر الشاعر .
ذكر السيد العامرى ( 4 ) : إن شاعر الخضراء وأمير شعرائها قد عاش مرهقا مبعدا محروما من عطف البايات ، فكان بمعزل عنهم وهو القريب منهم وغاية ما ناله على عهودهم ( خطة وظيف ضابط شرفي ) بالرغم عنه . فلم يتمالك عن الاصداع بالحقيقة فقال :
ها اننى بالرغم عنى قائد ما بينهم لكن بدون عساكر
مالي بها إلا الحسام علامة وتحية جبرا أجل بالخاطر
لوبت تسألنى على أحوالها لشفيت قلبك بالجواب الحاضر
قد كنت أحمل ذلة لا خطة حتى ترانى خاجلا من ناظرى
تلك النجوم حقيقة فى نفسها كبرى وتصغر فى عيون الباصر
يسوق السيد العامرى هذه الابيات دليلا على أن الشاعر لم ينله من جلال البيت المالك النعم العريضة ، وأنا أقر وأعترف له بذلك وأشكره على تصحيح شئ مما ذهبت اليه ، ولكنى افيد من الابيات فائدة أخرى ، وهى أنها ليست من شعر الشاعر النفيس ولا تقوم دليلا على ان قائلها صاحب إمارة بين أقرانه علم فائدتها التاريخية . وها أنا أدلك على مواضع من هذه الابيات لترى انها تشكو ضعفا فى التأليف فقوله : " وتحية جبرا أجل بالخاطر " من هذه المواضع الضعيفة فى البناء ، ألا ترى أن " الجبر " لا يكون " بالخاطر " بل " للخاطر " ثم ما مقام حرف الجواب " أجل " في هذا التركيب ، فهي تكأة اعتمد عليها صاحبها لاقامة وزن ليس غير .
ثم يقول : " لوبت تسألنى على أحوالها " وكأن الشاعر لا يعرف أن " السؤال عن أحوالها " لا " على أحوالها " وهذا من عمل شيطان الوزن أيضا .
وفى قوله : " حتى ترانى خاجلا من ناظرى " تجاوز للمألوف المعروف من الصيغ ، فاستعماله " خاجل " شئ اضطر إليه اضطرارا إقامة للوزن ، فالمسموع المعروف هو " خجل " بفتح الاول وكسر الثاني ، ولم يسمع الوصف منه على " فاعل " وان صحت قياسيته ، واذا ثبت السماع بطل القياس كما هو معلوم ، ألا ترى أنك لا تقول " فارح " من " فرح " ولا " حازن " من " حزن " بل تقول " فرح " و " حزين".
وقد اضطر الى ان يذيل البيت بقوله " من ناظرى " والفصيح المليح ان يقول : " من ناظر الى او في " ذلك ان تعدية الفعل لا تصح إلا بأحد الحرفين وفي ذلك دفع لوهم ربما وقع فيه من قرأ " ناظرى ".
ربما يقول السيد العامرى - حفظه الله - ان هذه هنات . وأنا أقره على هذا القول بأن هذه هنات ، ولكنى أقول : إنها لا يتغاضى عنها فى شعر شاعر مغمور ، فضلا عن أمير للشعراء .
ويعقب السيد العامرى على هذه الابيات بأخرى فى الموضوع نفسه يبدى
الشاعر فيها عزوفه عن هذه " الخطة " التى لا تشرف ، والتزامه بسمته ووقاره وطيب معدنه ، وانصرافه عن هذه التوافه ، وتعلقه بوطنه الحبيب ، وفى كل ذلك فوائد تاريخية .
قلت : سأتعقب نماذج السيد العامرى لنخلص منها الى فائدة فنثبت حقا ، وندفع وهما . ذكر السيد العامرى فيما ذكر . . بل هو أول شاعر تونسى نادى بترقية الشعور وإرهافه وتحريكه فى الجماهير . . " وجاء لذلك بقصيدته التى سنشير اليها دليلا . يقول الشاعر:
وحسبك بالشعور إذا ترقى واجرى سلسبيله فى المجارى
فكم بعث الحياة الى نفوس فأرجعها وكانت فى احتضار
وقلدها شريط العز فخرا فبات الشأن مرفوع المنار
وكم نفثت به الالباب سحرا وكم أجرى ببحره من جوار
وكم رضعت لبانه من شعوب صغار فارتقت به للكبار
وكم رفعوا به للحق صوتا فأصبح لابسا تاج الوقار
ودونك من دنانه كأس راح تنوب لديك عن كأس العقار
وخصص من بنات الفكر جوقا فعشاق الرواية فى انتظار
وحافظ على كيانك فى وجود ولا تنظر له نظر احتقار
وبادر فى الرياض لقطف زهر فان العود أصبح فى اخضرار
يعقب السيد العامرى على هذه الابيات فيقول : " أو ليس من الغبن الفاحش أن يقال لشاعر الشعور انه ملفق أو ناظم " . أما أنا فأشهد أنى لم أقل " ملفق " ، ولكنى قلت أنه " ناظم " والابيات التى ساقها الكاتب الفاضل كما هى مثبتة فى هذه المقالة تعين على هذا الرأى ، فنقول أن صاحبها نظام لا يمكن آن يرقى إلى طبقة أمراء الشعر . وأنا أريد أن أشهد محبى الشعر والعارفين بنقده ان يقولوا ما يرون فى هذه الابيات ان كانت شعرا قد حاز على الخصائص الفنية من إبداع فى التصوير وروعة في الخيال واحتدام في العاطفة ، أم نظما جرى فيه صاحبه فى إرسال الافكار إرسالا على نحو ما يفعل كثير ممن رزقوا القدرة على النظم .
فالشاعر فى هذه الابيات يحكى فائدة الشعور وأثره فى حياة الناس فى نمط تقريري والتقرير أبعد ما يكون عن أسلوب الشعر الذي يعتمد اللمحة
الخاطفة والالتفاتة البارعة . وفى هذا التقرير أسلوب يقرب من العامية ، وإلا فكيف تشعر بغير التعبير الدارج فى قوله :
وقلدها شريط العز فخرا فبات الشأن مرفوع المنار
فالشعور هو الذى " قلد النفوس شريط العز " على نحو ما يقلد الملك قائده المنتصر وسام الشرف فيحلى بذلك صدره "فخرا " ليكون " الشأن " مرفوع المنار " .
ثم تقرأ قوله:
وخصص من بنات الفكر جوقا فعشاق الرواية فى انتظار
فهو يتخذ من " بنات الفكر جوقا " ذلك أن مشهود " الرواية " بل " عشاقها " " فى انتظار " لها واللجوء إلى عرض بنات الفكر فى هذا الثوب الخلق إهانة للشعر ، وابتذال لبنات الفكر .
ولن أدع هذه الابيات دون أن أشير إلى أن الشاعر في هذه الابيات قد جاء بشئ تجاوز فيه الوزن ، ولم أرد ان اشير الى هذا لولا أني علمت مما كتبه السيد زين العابدين السنوسى من أن للشاعر معرفة أكيدة بالعروض ، وعليه تخرج الكثيرون فى هذا الفن . وها أنا مشير إلى هذا التجاوز الذى لا يحتمله الوزن ، ومن ذلك ، قوله : " وأجرى سلسبيله فى المجارى " ألا ترى أن ضمة الهاء فى " سلسبيله " زيادة على الوزن فالبيت من " الوافر " والوزن يقتضى حذف الضمة واسكان الهاء . وتقطيع البيت على النحو التالي: وأجرى سل سبيلهفل مجارى مفاعلتن مفاعلتن فعول
ومثل هذا التجاوز قوله : " وكم أجرى ببحره من جوار " ، وقوله " وكم رضعت لبانه من شعوب " ، وقوله : " ودونك من دنانه كأس راح " ففي هذه الابيات زيادة في الوزن اقتضاها حركة الهاء في " بحره " و " لبانه " و " دنانه " واصعب من ذلك أن يأتى قوله : " وحافظ على كيانك فى وجود " ، فهذا خروج واضح لا تطيقه موسيقى البيت .
وبعد فهل أتيت كذبا ، ولفقت باطلا على " شاعر الشعور " . ثم يأتى السيد العامرى بأبيات يفخر فيها أمير الشعراء بمقامه فى الشعر و
و " منبره " فى " المشاعر " وانه " يجر وراءه من القوافى عسكرا " زهاء نصف قرن خدمة للحق وإعلاء للوطن فيقول :
خدمت به الخضراء والحق والهدى وصنته عما بالفضيلة يزدرى
رفعت به أيام لاصوت سوطه وشددت بالتقريع عن كل منكر
تقرأ البيت الاول فتجور على الوزن في قوله " وصنته " ثم تترك هذا البيت وتأتى للذى وليه فيبدو لك شىء من الآلاعيب المتأخرة فى الجمع بين " صوت " و " سوط " وبعد فماذا تقول فى شاعر " يجر هذه القوافى عسكرا غير اخلاصه للقديم . فطريقته قديمة وفهمه للشعر قديم ومادة بنائه قديمة أيضا
والشاعر معجب بشعره ، مزهو به وقديما قيل " كل فتاة بأبيها معجبة " ولكن اعجابه قد جاوز المدى فهو يقول:
لو شاء ربك للكتاب زيادة لاضاف آياتى الى تنزيله
- رحمك الله - يا أيها الخزنه دار فقد جرت عن القصد وسلكت غير الحق وأى ضير فى ذلك والشعراء يقولون مالا يفعلون ، فقد جاء من ذلك قول أبى الطيب المتنبى:
وكل ما قدخلق الله وما لم يخلق
محتقر فى همتى كشعرة فى مفرقى
ويختم السيد العامري مقالته فيأتى بقصيدة للشاعر كان قد أهداها إليه يهنئه فيها بولادة طفل له ، والسيد العامرى معجب بهذه القصيدة إعجابا لاحد له ، ومن حقه أن يعجب وأن يطرب ، وأن يحفظ للشاعر عاطفته الكريمة ومنزلته العالية . والقصيدة من " المتقارب " وهى :
ولادة طفل وعام جديد وهذا لعمرى قران سعيد
وللعامرى من الخزندارى تهانى الودود بهذا الوليد
وكأن الشاعر يعبث فى الوزن عن قصد منه فما أراه يجهل هذا الامر فهو يقول :
شقيق " عياض " محمده وطالع يمن وعيش رغيد
و"هاديه " للخير والده له أمل فى الصبى وطيد
الا ترى أن فى صدر هذين البيتين وفى عجز البيت الثاني شيئا لا ينسجم مع الوزن ، ومثل هذا الخروج عن الوزن قد وقع فى أبيات عدة من القصيدة نفسها . ثم اقرأ قوله :
هو اليوم في الدوح خشف وديع وفى الغد ليث هصور عتيد
لترى مقام " الخشف " فى نظم الشاعر ، فليس " الدوح " مقاما للخشف كما هو معروف ويختم الشاعر هذه القصيدة مؤرخا على نحو ما شاع عند المتأخرين من باب التاريخ فى منظومهم . والقصيدة على طولها لا تخدم مكانة الشاعر الفنية فليرجع اليها القارىء .
وبعد فأنا أدعو السيد العامري ان يعود الى ما كتب ، فيعيد النظر ، وينفي عنى سوء القصد واصطناع الخبر وقلة الاستقراء .
ولا اريد أن اختم هذه المقالة قبل أن اعود الى مسألة بيعة شاعر القيروان محمد الفائز للشاعر خزنه دار فاذكر القارىء بهذه المسألة وبقيمة هذه البيعة ، بعد الذى عرضت من البحث فى شعر الشاعر ليحكم في هذا الامر وليرده إلى أصوله ودوافعه خدمة للحق ، ووفاء للتاريخ ، وعملا بقواعد النقد التى تأبى المحاباة بسبب من اقليمية أو قرابة أو أى صلة أخرى .

