ابسط ما يطلب من الناقد ان يكون عالما حق العلم او - على الاقل - ملما حسن الالمام بما ينقد . فاذا حرم هذا وحرم معه نزاهة الرأى واستقامة القول ورصانة اللهجة كان ايسر ما يقع فيه الخلط والتحريف والتزيد . انه من الغريب حقا ان يتصدى صاخب " الشعر بين الاجرام والتجديد " للحديث عن الشعر الحر والحكم عليه وهو لا يعلم حقيقته . فلقد توهم - متأثرا فى ذلك بالمصطلح الفرنسي (Poesie Libre) (وهو الحريص على التنصل من كل نسبه الى الغرب ) - ان الشعر الحر هو الذي لا يتقيد بوزن ولا قافية . فهو فى ظنه - شعر مكسور يخلط بين القوافى والبحور
وهذا خطأ صراح ما كان لينزلق فيه ناقدنا لو اطلع شيئا ما على حركة الشعر العربى الحديث وما كتب عنها اثناء السنوات العشر الاخيرة . فلو تمهل والقى نظرة عابرة على مجموعة مجلة " الآداب " مثلا لعلم علم اليقين ان الشعر الحر- حسب المصطلح الذى ضبطه والتزمه زعماؤه ( امثال بدر شاكر السياب وكاظم جواد ونزار قبانى ونازك الملائكة وغيرهم ) - هو الشعر الموزون الذي لا يخرج عن البحر الواحد - الا شذوذا (1)؛ ولكنه لا يتقيد بعدد معين من التفاعل ) كما تقتضى الهندسة الكلاسيكية للقصيد : بناء مزدوج . صدر وعجز ( ولا يلتزم قافية واحدة . فهو بعبارة اخرى يعتمد التفعيلة لا البيت ويتصرف فى القوافى وينوع حسبما يشاء له ذوق الشاعر ويوحى به ويقتضيه انفعاله الفنى .
هذا بكل ايجاز واقتضاب تعريف الشعر الحر . فهل - بعد هذا - ادعى الى الضحك والاغراق فيه من قول ناقدنا العصامى فى حاشية مقالة ( 2 ) قال : " جاء فى صفحة ( العمل ) الثقافية ضمن حديث عن الشعر التونسى انى كتبت
الشعر الحر - وانا ادفع عن نفسى هذه التهمة واؤكد ان شعري كله موزون مقفى لا يخرج عن العمود العربى-وان عددت فيه النقط والفواصل - فمتى يعرف الناس العروض حتى يفرقوا بين الحر والموزون "
من هنا ، من هذه النظرة الخاطئة اتى مقال صاحبنا ، وانك عبثا تبحث فيه عن فكرة طريقة او ملاحظة شخصية او خاطرة قيمة فى موضوع الشعر فلست نجد لها اثرا اللهم الا حقائق اولية تعلمناها فى شبابنا الباكر ، بديهيات يعرفها الاحداث من تلاميذنا فى المدارس الثانوية من ان الشعر الفرنسى يقوم يقوم على المقطع والشعر العربى على التفعيلة . فهذا هذا وذاك ذاك . ولكل عبقريته . وعبقررية العربية - مع الاسف - لا تسمح ان تتوالى ، فى الكلمة الواحدة ، خمسة حروف متحركة . . واذن لا يجوز ان نحتذى العروض الاوروبى فى نظمنا العربى . . . هذه خلاصة كلامه .
فما الداعى الى سفساف القول هذا والفضول ؟ وما صلته بمقال " الشعر بين الكبت والانطلاق " ؟ من قال باقتداء الشعر الغربى والنسج على غراره ! ؟ الجواب بسيط . انه وهم آخر - وما اكثر اوهام صاحبنا العفوية والمصطنعة - وهم ركبه وطوح به الى غير غاية . فاسمع اليه يقول : (3) " ولعل الاوزان الجديدة التى يشير اليها السيد البشير المجدوب هى طرق النظم فى الشعر الغربي وهذا نفهمه (4) من تعريضه بالذين يأبون الخروج عن تفعيلة الخليل " (5)
وقد قال قبل هذه الجملة ما يلى : (6) " وما عرفنا من الناس من احدثوا اليوم اوزانا جديدة . . "
بلى يا سيدى ! لقد احدث اسلافنا - فى الامس البعيد - اوزانا جديدة . لقد نظم شعراء الاندلس قطعا رائعة سموها الموشحات وخرج الكثير منها عن اوزان الخليل .
فلا بأس ان يصغى ناقدنا ويمعن فى الاصغاء الى ما يقوله الشاعر ابن سناء الملك المصري ( 608-550ه )فى كتابه " دار الطراز " . قال بعد ان لاحظ ان
الموشحات تنقسم الى قسمين : الاول ما جاء على اوزان اشعار العرب والثانى ما لاوزن له فيها ولا المام له بها . اما القسم الاول " فهو من النسج المرذول المخذول وهو بالمخمسات اشبه منه بالموشحات ، ولا يفعله الا الضعاف من الشعراء ومن اراد ان يتشبه بما لا يعرف ويتشيع بما لا يملك " (7)
والقسم الثاني من الموشحات " هو ما لا مدخل لشىء منه فى شىء من اوزان العرب ، وهذا القسم منها هو الكثير والجم الغفير والعدد الذى لا ينضبط " (8) وهذه الاوزان الجديدة منها " قسم لابياته وزن يدركه السمع ويعرفه الذوق كما تعرف اوزان الاشعار ولا يحتاج فيها الى وزنها بميزان العروض ، وهو اكثرها . . " (9)
ان ناقدنا فى حل - بعد هذه المعلومات - ان يعتبر الموشحات من النثر - ان شاء - لمجرد خروجها عن اوزان الخليل ، وينفى عنها صفة الشعر مع انها - بحق - كما قال الدكتور مصطفى عوض الكريم " المحاولة العظمى التى لم تسبق ولم تلحق فى الخروج على الاوزان التقليدية " (10)
ولا بأس ايضا ان يستمع فيستفيد مما يقوله صاحب " لزوم ما لا يلزم " فقد لاحظ المعرى ان المضارع والمقتضب والمجتث " قل ما توجد فى اشعار المتقدمين " (11) ثم عاد فأكد ان المقتضب مفقود فى شعر العرب وان الخليل اضطر لاختراع بيت للتمثيل له فقال :
اعرضت فلاح لها عارضان من برد
واكد المعرى ايضا ان المضارع مفقود فى شعر العرب وان الخليل وضع له البيت :
وان تدن منه شبرا يقربك منه باعا
فهذه همة القوم حينما كان " باب الاجتهاد " مفتوحا ، ويوم كان الناس يأنفون من ان ينسبوا اسلافهم الى العصمة والكمال ، كما أنهم لا يبخسونهم حقهم من الخلق والابتكار .
فمن المعلوم المفروغ منه ان للشعر العربى- والفضل فى اظهار هذا يرجع الى الخليل بن احمد - مدى موسيقيا واسعا ، وذلك ان هذه البحور ومجازيئها تعطى الشاعر حرية واسعة لاختيار الوزن الذى يتمشى مع عاطفته ، غير ان هذا لا يكفى ولا يفى بما جد فى النفس البشرية - على مر الايام - من حاجات وميول . وانى اكتفى بشاهد بسيط لا يكلفنى مؤنة العودة الى ما بسطت فى مقالى المذكور .
فاقول : لو لم يشعر شعراء الاندلس بالحاجة الى النسج على منوال جديد يطابق ذوقهم الصميم وبيئتهم الخاصة ، وما فى هذا الذوق والبيئة من طابع فريد متميز ، لو لم يشعروا بميل فنى ملح قاهر الى التصرف فى هندسة القصيدة الكلاسيكية بالشكل الذى ذكرناه ( الماما واقتضابا ) فى الموشحات لما اقدموا على تلك التجربة الثورية الموفقة التى ادت بهم فى الكثير من قطعهم الى الخروج عن العمود " المقدس " ولكنها منحتهم طاقة تعبيرية وموسيقية ممتازة
اما ما زعمه الناقد الاريب من انى ادعو الى الاقتداء بطرق النظم فى الشعر الاوروبى فهو تأول اعتباطى يدحضه القسم الاخير من مقالى . فلقد اشرت فى آخر المقال الى اسلوب القرآن ورأيته - هو - ( لا اشعار الافرنج ) المثل المفضل والنموذج الاعلى الذى ينبغى ان نستوحيه فى باب " تحرير العبارة من القيود المجحفة بالمعنى مع مراعاة حق اللفظ وما يقتضيه من جمال ونغم وايقاع " (12)
وقد سكت - مع الاسف - زميلنا عن هذا القسم واهمله اهمالا تاما . وما هذا السكوت والاهمال الا لصعوبة الرد وحرج الموقف
والحقيقة ان هذا القسم من المقال ، المتعلق " بشاعرية " القرآن لهو متصل بصميم المقال وبفكرته الرئيسية . ان مقال " الشعر بين الكبت والانطلاق " يتلخص في هذه الفكرة البسيطة : الشعر اوسع من ان ينحصر فى تلك الحدود الاصطلاحية التى رسمها الاقدمون . بل ان فضاءه فسيح فسيح . انى لا ارى للشعر - كما قال الزهاوى " قواعد ، بل هو فوق القواعد ، حر لا يتقيد
بالسلاسل والاغلال . وهو اشبه بالاحياء فى اتباعه سنة النشوء والارتقاء , يتجدد واحربه ان يتجدد بحسب الزمان " فالشعر من حيث كنهه وروحه مشترك بين كل الفنون . نجده فى الموسيقى والرقص ، ونلمحه فى الرسم والنحت ، كما اننا نحسه ونطرب له فى القصة والمسرحية .
على ان الصورة الانسب التى يلبسها الشعر - تلك التى تجلوه فى اتم صفائه وروعته ، وقد تجمع عنصره وبلغ غاية التركيز هى الكلام الممتاز الموقع الموزون . ولسنا نعنى بالكلام الموزون كلاما يخضع - حتما - لقاعدة من النظم معينة - فالقرآن - فى بعض من سوره - اسلوب شعرى صميم توفرت فيه جميع الشروط الجوهرية للشعر الحق ، وللبست تجد فيه مع ذلك قوالب مضبوطة تتكرر وتردد على نحو خاص - فالاوزان فيه اكثر من ان تضبط والتنوع فوق الحصر - ولا تعدم فيه - على ذلك - تمام التناسق والانسجام بل فى بعض السور وحدة موسيقية ظاهرة نلمسها من اول السورة الى آخر اية منها . فهى وحدة الايقاع - وناهيك بها من وحدة - تضمن لهذا الاسلوب حظا كبيرا من الجزالة الموسيقية . انه " تزويج الوحدة بالكثرة تزويج الانسجام "
فهذه سبيل من جملة السبل - وهي عدة ( نظم كلاسيكى - نظم حر - نظم مرسل ) - التى لا حرج على الشعر ان يتبعها غير سائر الا على هدى من الذوق الاصيل المتفتح والطبيعة الفنية الخلاقة .
وما قيل عن القرآن فقد يصح - الى حد ما - فى فصول من " مولد النسيان " مثلا ( لمحمود المسعدى ) . ان فيها لنغما رفيعا ينتمى - على طرافته واصالته - الى الموسيقى القرآنية بل ينحدر منها رأسا ( فى بعض الفقرات )
فليكفنى القارىء مؤنة الاستشهاد وليس على الا ان احيلة الى مجلة المباحث . هذا وانى لا اريد ان اختم كلمتى هذه دون ان ادس فى اذن الناقد الشجاع سرا اريده يبقى بيننا ، هى نصيحة اسديها اليه بأن يلتزم الامانة فى " الكتابة " كشأنه فى معاقرة القوافى . فلا يتأول على هواه ويحرف ويشوه اقوال الغير ، وايضا الا يسطو فى المستقبل على الاحياء من الكتاب فلقد اتفق الى ان اطلعت عرضا على مقالاته ( عن اللغة ) المنشورة فى العمل فوجدته قد اغترف باسراف بل بنهم من كتاب " المعجم العربى نشأته وتطوره " (13) دون اى اشارة الى هذا الكتاب . فالنزاهة النزاهة يا صاح . والسلام .

