الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء، الحرية الحق تطور وتجديد لا فوضى وتهديم

Share

ابسط ما يطلب من الناقد ان يكون عالما حق العلم او - على الاقل - ملما حسن الالمام بما ينقد . فاذا حرم هذا وحرم معه نزاهة الرأى واستقامة القول ورصانة اللهجة كان ايسر ما يقع فيه الخلط والتحريف والتزيد . انه من الغريب حقا ان يتصدى صاخب " الشعر بين الاجرام والتجديد " للحديث عن الشعر الحر والحكم عليه وهو لا يعلم حقيقته . فلقد توهم - متأثرا فى ذلك بالمصطلح الفرنسي  (Poesie Libre) (وهو الحريص على التنصل من كل نسبه الى الغرب ) - ان الشعر الحر هو الذي لا يتقيد بوزن ولا قافية . فهو فى ظنه - شعر مكسور يخلط بين القوافى والبحور

وهذا خطأ صراح ما كان لينزلق فيه ناقدنا لو اطلع شيئا ما على حركة الشعر العربى الحديث وما كتب عنها اثناء السنوات العشر الاخيرة . فلو تمهل والقى نظرة عابرة على مجموعة مجلة " الآداب " مثلا لعلم علم اليقين ان الشعر الحر- حسب المصطلح الذى ضبطه والتزمه زعماؤه ( امثال بدر شاكر السياب وكاظم جواد ونزار قبانى ونازك الملائكة وغيرهم ) - هو الشعر الموزون الذي لا يخرج عن البحر الواحد - الا شذوذا (1)؛ ولكنه لا يتقيد بعدد معين من التفاعل ) كما تقتضى الهندسة الكلاسيكية للقصيد : بناء مزدوج . صدر وعجز ( ولا يلتزم قافية واحدة . فهو بعبارة اخرى يعتمد التفعيلة لا البيت ويتصرف فى القوافى وينوع حسبما يشاء له ذوق الشاعر ويوحى به ويقتضيه انفعاله الفنى .

هذا بكل ايجاز واقتضاب تعريف الشعر الحر . فهل - بعد هذا - ادعى الى الضحك والاغراق فيه من قول ناقدنا العصامى فى حاشية مقالة ( 2 ) قال : " جاء فى صفحة ( العمل ) الثقافية ضمن حديث عن الشعر التونسى انى كتبت

الشعر الحر - وانا ادفع عن نفسى هذه التهمة واؤكد ان شعري كله موزون مقفى لا يخرج عن العمود العربى-وان عددت فيه النقط والفواصل - فمتى يعرف الناس العروض حتى يفرقوا بين الحر والموزون "

من هنا ، من هذه النظرة الخاطئة اتى مقال صاحبنا ، وانك عبثا تبحث فيه عن فكرة طريقة او ملاحظة شخصية او خاطرة قيمة فى موضوع الشعر فلست نجد لها اثرا اللهم الا حقائق اولية تعلمناها فى شبابنا الباكر ، بديهيات يعرفها الاحداث من تلاميذنا فى المدارس الثانوية من ان الشعر الفرنسى يقوم يقوم على المقطع والشعر العربى على التفعيلة . فهذا هذا وذاك ذاك . ولكل عبقريته . وعبقررية العربية - مع الاسف - لا تسمح ان تتوالى ، فى الكلمة الواحدة ، خمسة حروف متحركة . . واذن لا يجوز ان نحتذى العروض الاوروبى فى نظمنا العربى . . . هذه خلاصة كلامه .

فما الداعى الى سفساف القول هذا والفضول ؟ وما صلته بمقال " الشعر بين الكبت والانطلاق " ؟ من قال باقتداء الشعر الغربى والنسج على غراره ! ؟ الجواب بسيط . انه وهم آخر - وما اكثر اوهام صاحبنا العفوية والمصطنعة - وهم ركبه وطوح به الى غير غاية . فاسمع اليه يقول : (3) " ولعل الاوزان الجديدة التى يشير اليها السيد البشير المجدوب هى طرق النظم فى الشعر الغربي وهذا نفهمه (4) من تعريضه بالذين يأبون الخروج عن تفعيلة الخليل " (5)

وقد قال قبل هذه الجملة ما يلى : (6) " وما عرفنا من الناس من احدثوا اليوم اوزانا جديدة . . "

بلى يا سيدى ! لقد احدث اسلافنا - فى الامس البعيد - اوزانا جديدة . لقد نظم شعراء الاندلس قطعا رائعة سموها الموشحات وخرج الكثير منها عن اوزان الخليل .

فلا بأس ان يصغى ناقدنا ويمعن فى الاصغاء الى ما يقوله الشاعر ابن سناء الملك المصري ( 608-550ه )فى كتابه " دار الطراز " . قال بعد ان لاحظ ان

الموشحات تنقسم الى قسمين : الاول ما جاء على اوزان اشعار العرب والثانى ما لاوزن له فيها ولا المام له بها . اما القسم الاول " فهو من النسج المرذول المخذول وهو بالمخمسات اشبه منه بالموشحات ، ولا يفعله الا الضعاف من الشعراء ومن اراد ان يتشبه بما لا يعرف ويتشيع بما لا يملك " (7)

والقسم الثاني من الموشحات " هو ما لا مدخل لشىء منه فى شىء من اوزان العرب ، وهذا القسم منها هو الكثير والجم الغفير والعدد الذى لا ينضبط " (8) وهذه الاوزان الجديدة منها " قسم لابياته وزن يدركه السمع ويعرفه الذوق كما تعرف اوزان الاشعار ولا يحتاج فيها الى وزنها بميزان العروض ، وهو اكثرها . . " (9)

ان ناقدنا فى حل - بعد هذه المعلومات - ان يعتبر الموشحات من النثر - ان شاء - لمجرد خروجها عن اوزان الخليل ، وينفى عنها صفة الشعر مع انها - بحق - كما قال الدكتور مصطفى عوض الكريم " المحاولة العظمى التى لم تسبق ولم تلحق فى الخروج على الاوزان التقليدية " (10)

ولا بأس ايضا ان يستمع فيستفيد مما يقوله صاحب " لزوم ما لا يلزم " فقد لاحظ المعرى ان المضارع والمقتضب والمجتث " قل ما توجد فى اشعار المتقدمين " (11) ثم عاد فأكد ان المقتضب مفقود فى شعر العرب وان الخليل اضطر لاختراع بيت للتمثيل له فقال :

اعرضت فلاح لها                                                                              عارضان من برد

واكد المعرى ايضا ان المضارع مفقود فى شعر العرب وان الخليل وضع له البيت :

وان تدن منه شبرا                                                                                يقربك منه باعا

فهذه همة القوم حينما كان " باب الاجتهاد " مفتوحا ، ويوم كان الناس يأنفون من ان ينسبوا اسلافهم الى العصمة والكمال ، كما أنهم لا يبخسونهم حقهم من الخلق والابتكار .

فمن المعلوم المفروغ منه ان للشعر العربى- والفضل فى اظهار هذا يرجع الى الخليل بن احمد - مدى موسيقيا واسعا ، وذلك ان هذه البحور ومجازيئها تعطى الشاعر حرية واسعة لاختيار الوزن الذى يتمشى مع عاطفته ، غير ان هذا لا يكفى ولا يفى بما جد فى النفس البشرية - على مر الايام - من حاجات وميول . وانى اكتفى بشاهد بسيط لا يكلفنى مؤنة العودة الى ما بسطت فى مقالى المذكور .

فاقول : لو لم يشعر شعراء الاندلس بالحاجة الى النسج على منوال جديد يطابق ذوقهم الصميم وبيئتهم الخاصة ، وما فى هذا الذوق والبيئة من طابع فريد متميز ، لو لم يشعروا بميل فنى ملح قاهر الى التصرف فى هندسة القصيدة الكلاسيكية بالشكل الذى ذكرناه ( الماما واقتضابا ) فى الموشحات لما اقدموا على تلك التجربة الثورية الموفقة التى ادت بهم فى الكثير من قطعهم الى الخروج عن العمود " المقدس " ولكنها منحتهم طاقة تعبيرية وموسيقية ممتازة

اما ما زعمه الناقد الاريب من انى ادعو الى الاقتداء بطرق النظم فى الشعر الاوروبى فهو تأول اعتباطى يدحضه القسم الاخير من مقالى . فلقد اشرت فى آخر المقال الى اسلوب القرآن ورأيته - هو - ( لا اشعار الافرنج ) المثل المفضل والنموذج الاعلى الذى ينبغى ان نستوحيه فى باب " تحرير العبارة من القيود المجحفة بالمعنى مع مراعاة حق اللفظ وما يقتضيه من جمال ونغم وايقاع " (12)

وقد سكت - مع الاسف - زميلنا عن هذا القسم واهمله اهمالا تاما . وما هذا السكوت والاهمال الا لصعوبة الرد وحرج الموقف

والحقيقة ان هذا القسم من المقال ، المتعلق " بشاعرية " القرآن لهو متصل بصميم المقال وبفكرته الرئيسية . ان مقال " الشعر بين الكبت والانطلاق " يتلخص في هذه الفكرة البسيطة : الشعر اوسع من ان ينحصر فى تلك الحدود الاصطلاحية التى رسمها الاقدمون . بل ان فضاءه فسيح فسيح . انى لا ارى للشعر - كما قال الزهاوى " قواعد ، بل هو فوق القواعد ، حر لا يتقيد

بالسلاسل والاغلال . وهو اشبه بالاحياء فى اتباعه سنة النشوء والارتقاء , يتجدد واحربه ان يتجدد بحسب الزمان " فالشعر من حيث كنهه وروحه مشترك بين كل الفنون . نجده فى الموسيقى والرقص ، ونلمحه فى الرسم والنحت ، كما اننا نحسه ونطرب له فى القصة والمسرحية .

على ان الصورة الانسب التى يلبسها الشعر - تلك التى تجلوه فى اتم صفائه وروعته ، وقد تجمع عنصره وبلغ غاية التركيز هى الكلام الممتاز الموقع الموزون . ولسنا نعنى بالكلام الموزون كلاما يخضع - حتما - لقاعدة من النظم معينة - فالقرآن - فى بعض من سوره - اسلوب شعرى صميم توفرت فيه جميع الشروط الجوهرية للشعر الحق ، وللبست تجد فيه مع ذلك قوالب مضبوطة تتكرر وتردد على نحو خاص - فالاوزان فيه اكثر من ان تضبط والتنوع فوق الحصر - ولا تعدم فيه - على ذلك - تمام التناسق والانسجام بل فى بعض السور وحدة موسيقية ظاهرة نلمسها من اول السورة الى آخر اية منها . فهى وحدة الايقاع - وناهيك بها من وحدة - تضمن لهذا الاسلوب حظا كبيرا من الجزالة الموسيقية . انه " تزويج الوحدة بالكثرة تزويج الانسجام "

فهذه سبيل من جملة السبل - وهي عدة ( نظم كلاسيكى - نظم حر - نظم مرسل ) - التى لا حرج على الشعر ان يتبعها غير سائر الا على هدى من الذوق الاصيل المتفتح والطبيعة الفنية الخلاقة .

وما قيل عن القرآن فقد يصح - الى حد ما - فى فصول من " مولد النسيان " مثلا ( لمحمود المسعدى ) . ان فيها لنغما رفيعا ينتمى - على طرافته واصالته - الى الموسيقى القرآنية بل ينحدر منها رأسا ( فى بعض الفقرات )

فليكفنى القارىء مؤنة الاستشهاد وليس على الا ان احيلة الى مجلة المباحث . هذا وانى لا اريد ان اختم كلمتى هذه دون ان ادس فى اذن الناقد الشجاع سرا اريده يبقى بيننا ، هى نصيحة اسديها اليه بأن يلتزم الامانة فى " الكتابة " كشأنه فى معاقرة القوافى . فلا يتأول على هواه ويحرف ويشوه اقوال الغير ، وايضا الا يسطو فى المستقبل على الاحياء من الكتاب فلقد اتفق الى ان اطلعت عرضا على مقالاته ( عن اللغة ) المنشورة فى العمل فوجدته قد اغترف باسراف بل بنهم من كتاب " المعجم العربى نشأته وتطوره " (13) دون اى اشارة الى هذا الكتاب . فالنزاهة النزاهة يا صاح . والسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية