وبعد ، فهذه كلمة لعلها تمس فى الصميم وبصورة مباشرة ما لكم من اختصاص فى خصوص التقييم الفنى لما ينشر بمجلة الفكر " التونسى " بكل ما لهذا الفكر من معطيات وملابسات ، فى كل ابعاده . .
بيد ان حسن الظن بكم ، باسرة الفكر " المجلة " يدفعنى لان اكتب اليكم . . بعد ان قرأت العدد الاخير من مجلة الفكر . .
لقد كنت حريصا على ان اقرأ كل قصة او اقصوصة بقلم ناشئ تونسى ، لسبب او لآخر ، وقد كنت فى كل مرة اجد تباشير خير . . وكنت اعلم ان سلة مهملات الفكر تتلقى قوتها كل يوم من فج الثمار التى لا تقوى على مغالبة التجرثم . . والفكر المجلة بذلك حافظت على مستوى الفكر التونسى ، وبذلك وحسب صار لمجلة الفكر مستواها القار متخلصا من جاذبية الاسفاف . . حتى لقد آمن بعضهم ان من ينشر له أثر بمجلة الفكر يعد من بين ادباء البلاد . . وحتى اصبحت تعتمد فى الحكم على ادبنا بكل فنونه ، او لم يعتمدها الاديب العربى الكبير حنا الفاخورى فى حكمه القاسى ، العادل على الادب التونسى .
ان مجلة الفكر بهذا الاعتبار لم تعد تملك اسرتها الحرية المطلقة فى نشر ما ( تحب ) نشره لسبب او لآخر وان تكن ترغب عنه حقا بحكم المستوى !
نادرا ما تصدر المجلة بمستوى مشرف . . . وكثيرا ما تصدر بغير ذلك المستوى المجلات ، ولكنها تسعى اليه . . ولعل فى الحفاظ على المستوى المشرف خير ضمان للتعلق باسباب الأفضل من كل شئ . كما ان الانتكاس فى مثل هذه الحال موت محقق او قل انحطاط مزر . . وهو ما لا نرضاه بحال لمجلة كانت - وقد تكون - مرآة صادقة لأدبنا الحديث وحتى القديم ، وانى اذ اكتب بهذه اللهجة اود ان تتقبلوا كل ملاحظاتى على اعتبار حسن المقصد فى انتشال الفكر التونسى فى مجلته من هوة الاسفاف السحيقة . .
لقد قرأت اقصوصة " ( الدوح ) الفارغ " ( الفكر - افريل 1961 ) وأشهد أنى حاولت ان أعيد قراءتها بروح ملؤه البحث الحق عن مرشح واحد لنشرها فى مجلة كالفكر ! . . ولكن هذا البحث الصادق اثبت خلو الاقصوصة من ذلك خلوا تاما . .
وحاولت ان اكتب نقدا موضوعيا لها . . وقرأتها لهذا الغرض وبفكرة لا تأتيها " الاعتقادية " Dogmatique من بين يديها ولا من خلفها . . ولكن حالت دون تحقيق هذه المحاولة ثبوت هذه الحقيقة وهى ان النقد درجة على كل أثر بلوغها ليتسنى له رؤية وجهه . . والأثر الادبى الذى لا يملك القوة للصعود الى تلك الدرجة يجب ان يعاد فيه النظر .
ان اقصوصة ( الدوح الفارغ ) لا يمكن ان ينظر اليها حسب مقاييس النقد المتواضع عليها . . فضلا عن ان يبحث فيها عن عناصر القصة الصغيرة وابعادها الزمنية والمكانية وعن العقدة ، والايحاء الصورى . . والتسلسل المنطقى ، وبالتالى ان نعتبرها قصة . .
ان النظر الصحيح فيها ينبغى ان يتخذ اسلوب الاصلاح الانشائى المتعارف عند صغار تلاميذ الاقسام الاولى من التعليم الثانوى . . ولكم ان تجدوا فيها أخطاء لغوية ، نحوية وصرفية ، وتراكيب لا تستقيم والذوق الادبى . . اذا لم تكن لغة القصة نثرا فنيا . . اما التسلسل المنطقى للحوادث فهو ملحوظ فى اكثر من مكان . واليكم مثلا :
" البسته القابلة ملابس صغيرة مطرزة ، ولفته فى الاقمطة التى كانت قد وضعت فى حقيبة خاصة بملابس المولود . ثم قصت له صرته ووضعته فى دوحة الجميل " .
وليس هذا فقط . . انما هناك أخطاء أخرى لا تخفى على تلامذة المدارس الابتدائية ولا اريد ان اثبتها هنا . . واذا ارادت صاحبة " الاقصوصة " او احد القراء او اسرة الفكر ان افصل القول فى هذا فانى مستعد ولى من نقطة انطلاق قد تضحك من اسف وهل احسن من كلمة " الدوح " الاولى فى عنوان الاقصوصة . . وهنا اتفضل ان افسرها لاخوانى العرب الاقحاح بانها تعنى " المهد "
ان هذا الكلام موجه فى الدرجة الاولى الى اسرة الفكر ثم هو الى صاحبة الاقصوصة وبالتالى لكل قارئ واع . وليس هو نقدا وانما هو عتاب ارجو ان يجد فى صدر اسرة الفكر ما يستحق فقط من الاعتبار .
وهنا اود ان اكرر مرة اخرى ما كنت قلته عن ادبنا منذ سنوات خلت وهو ان الموضوعيه تفرض القسوة ، ولا تنكر اللين ، انما دأبها السعى وراء عملية التجريد ومحو الاصباغ ليبدو الاثر عاريا عن كل المضللات فى صورته الطبيعية التى هى جوهرة الفرد . . وعملية التجريد هذه تترك اثرا مشينا فى نفس الاديب الناشئ ، اذ عجم الاعواد قبل ان تأخذ صلابتها الكاملة يورثها هزالا ويقعد بها عن النمو . . وبالتالى يسرع بها الخطى نحو الوقوف . .
واذن يجب ان ندرك الادراك كله ان الاديب العاقل هو ذاك الذى يزن القول حين يذيعه فى الناس ولا يعطى الا بقدره حريصا على ان تأخذ فترة الاخصاب حظها من التمام والكمال . . معتقدا ان تناسى مرحلة من مراحل الخلق والنشوء عربون عقم وافلاس .
ان مصير الافكار الفجة لا يختلف فى شئ عن مصير الثمار الفجة ، ان اكلت اضرت وان حفظت لا تقوى على مقاومة العفونة والتجرثم . . والاديب الحق يربا بدماغه ان يستحيل قمة عفنة خير من بقائها الازالة . .
ان الاجهاض عملية اخطر بكثير على الادب منها على الانسان . .
لسنا نخشى على ادبنا الوقوف ما دامت الحياة . . ولكننا نخشى عليه التضخم . ولنتذكر اخيرا ان الفكر " المجلة " منبر محترم ينبغى ان يبقى عنوان فكرنا التونسى فى وعيه ونضجه او لا يكون . .
