أعود الى ابى القاسم والعود أحمد ، و آية وفاء إخواننا التونسيين أنهم ما ينون يذكرون شاعرهم في ندوات ومهرجانات وملتقيات عدة ، ومن حقهم ان يفعلوا ذلك . والخير كل الخير ان يذكروا أبا القاسم ذكرى ذات معان كبيرة .
وقد كان لى أن وقفت على شعر الشابى وأدبه منذ عشرين سنة ، وها أنا أعود اليه فأقف على أدبه وشعره لأقول فى منزلته التاريخية شيئا يتصل بالأدب التونسي الحديث أو إن شئت فقل فى الادب العربى الحديث .
قلت : من حق التونسيين أن يشيدوا بمجد الشابى ، وقد كان لهم ذلك ، ثم كان من نتائج هذا الاهتمام أن المشارقة من إخوانهم العرب حملوا على تجديد العهد بهذا الشاعر فكان له نصيب فى مناهجهم الدراسية ، وكأنهم أفصحوا عما شعروا به من حقيقة أن بين الذين فى مشرق أرض العرب وبين إخوانهم في المغرب الافريقي العربى لرحما موصولة ، وما كان لها ان تكون فى يوم ما جذاء مقطوعة .
لقد حفزني إلى أن أعود الى هذا ما قرأته فى العدد الرابع ( جانفى ) من ((الفكر )) 1982 لقطعة لأبي القاسم يناجى فيها القمر فيخلص فيها لضرب من الفن تمتزج فيها النجوى بشجو من الالم والنغم ، وكثير من اللفظ في ألواح الشابى أنين تفنى فى حواشيه موسيقى هى العذوبة والعذاب . وليس هذا إلا هاجسا انسانيا ، وفنا شاعرا وما أظن ان هذا شئ غير الفن الاصيل .
وأذكر أني قلت فى بحث لى حررته منذ سنين : ان بين الشابي وبين الطليعة المهجرية وشيجة تقوم على أدب جديد لا عهد للعرب بمثله فى تلك الايام . ان هذا الادب الذي طلع علينا به الشابى ليمتلك من عناصر الجدة ما يجعلنا _ بحق - نصفه بالجديد . هو جديد في لفظه سهولة وخفة ورشاقة ، ثم إنه جديد في أغراضه ومعانيه.
وقد يكون لهذه الجدة الشابية مكان أرحب مما كان للمهجريين ذلك بأن الشابي التونسي قد تألق وحيدا بهذه النغمات العذاب ، فى حين ان عامة من كان في عصره ممن عدوا من أهل الادب جماعة ليس لها من الادب الا رصف الكلم لتجيء منظومة فى وزن ينتهى الى قافية متعبة لا يصل اليها المرء الا وهو شاعر أنه ينتهى اليها بنفس يورث السأم . ولا أريد أن انال من هذه الجمهرة التى ليس لنا أن ندرجهم مع الشعراء بهذه القصائد والمقطوعات التى اتى بنماذج منها الاستاذ زين العابدين السنوسى فى كتابه (( الادب التونسى فى القرن الرابع عشر))
كأن هذه الجماعة التى عرض لها السنوسى _رحمه الله - كانت نهاية عصر أوشك أن يعفو اثره ويتحمل عنا بأدبه وفكره وفنه ، لنبدأ عصرا جديدا اخر يلتمع فى ظلمته كوكب ساطع هو أبو القاسم .
ولو انك قرأت ما نشر فى (( الفكر )) العدد الذى أشرنا اليه من (( نجوى القمر )) ( 1 ) ادركت أن ليس من صلة بين هذا الجديد وأدب تلك الجمهرة التى أشار الى شىء من نماذجها السنوسى .
ومن هنا كان مكان الشابى عظيما فى الادب العربى الحديث ولا سيما فى هذه الديار العربية الافريقية ولا أخص تونس وحدها .
هذه وقفة عجلى أقفها اليوم وانا اقرأ هذه القطعة التى نشرتها مجلة (( الفكر)) فأهدت بذلك علقا نفيسا لقراء الشاب والمعجبين بأدبه . .
