لم تأخذ الرياضة البدنية من الاهتمام والاعتبار بقدر ما أخذته فى الربع الاخير من هذا القرن .
فقد كان أصحاب الوجاهة ورجال الجد ومعظم النساء ، كانوا يستخفون بالرياضة البدنية وربما اعتبروها شيئا من العبث المباح والخفة .
وصفى الدين الحلى يلخص هذه النظرة بايجاز فى قوله :
انظر الى النفس واستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم انسان
أما اليوم فقد تغيرت تلك النظرة وكسبت الرياضة من الاعتبار ما يجعل الانظمة التربوية العصرية تدمجها فى صلب برنامج التعليم وتعتبرها مادة اجبارية ، وخاصة فى مرحلتى الابتدائى والثانوى وقد كثرت الجمعيات والنوادى الرياضية ، ولم يستنكف بعض رجال الجد من المسؤولين فى الدولة من رئاسة بعض هذه الجمعيات وتسييرها ولكن رغم تقدم الزمن وتغير العقليات واكتساح الرياضية لميدانى التعليم والشغل رغم ذلك فان البعض منا لا يزال يعتبر الرياضة عمل من لا عمل له ، أو هي ترف اذا قام به البعض سقط عن الباقين .
أيمكن أن يظنوا أنها ليست من تقاليدنا كعرب ومسلمين ؟
- أما بالنسبة للعرب فاننا نستطيع أن نؤكد قيام العربي بالرياضة منذ فترة ما قبل الاسلام ، وقد برز بالخصوص فى ميدان الفروسية وخطط لها عن طريق التجربة والممارسة لا بالتقنين النظرى ويلخص هذه الخطة باختصار قول امرئ القيس :
مكر مفر مقبل مدبر معا
كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالكر والفرخطة احتضنها الفارس العربى وطبقها فى جولاته وهى تشبه حطة الرياضية الحديثة وقد كان العرب يدفعون بأبنائهم الى ركوب الخيل التى كانوا يحرصون على تربيتها وصيانتها حرصا يصوره كتاب ابن هشام الكلبي في نسب الخيل وفرسانها وكتاب الحيوان لعمرو بن بحر الجاحظ وكتاب ابن الاعرابى فى أسماء الخيل .
ومما قاله بعضهم فى الخيل :
أهينوا لها ما تكرمون وباشروا
صيانتها والعون للخيل أجمل
متى تكرموها يكرم المرء نفسه
وكل امرئ من قومه حيث ينزل
كما تداول العرب رياضات أخرى كالرماية والمسايفة ورفع الاثقال ، وقد كانوا يولون من الحد والصرامة لاقامة المباريات ما لا نكاد نصدقه ، وفي هذا المجال نذكر أن حربا أهلية دارت رحاها مدة طويلة من الزمان بين قبيلتين معروفتين هما بكر وتغلب ، لا لشئ الا لان أحد الفريقين المشاركين فى السياق قد غش أثناء المباراة وخالف التنظيم المعمول به إذ ذاك ، وهذه الحرب الاهلية معروفة بحرب " داحس والغبراء" .
- ويظهور الاسلام ازداد حب العرب للرياضة بتزكية الدين لها وتحريضه عليها : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل " .
وقد فاضل الدين بين قوة المال وقوة البدن ، ففضل الاخيرة : " وقال لهم نبيهم ان الله قد بعث لكم طالوت ملكا ، قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن احق بالملك منه ولم يوت سعة من المال ، فقال ان الله اصطفاه عليكم ورزاده بسطة فى العلم والجسم " .
هذا وقد أعجب المسلمون بشخص الرسول اعجابا لا يفوقه الا اعجابهم باستقامته ونزاهته فما هى مقومات شخص الرسول ؟
لقد كان الرسول محمد كامل الجسم ، إذا مشى ، مشى مستقيم القوام ركيز الخطى واذا توقف ، توقفت جميع أجزاء جسمه فى ثبات ، واذا تحول الى اليمين أو الشمال تحول جسمه فى ثبات ، واذا تحدث تحركت عضلات فمه بنظام لا فأفأة ولا غمغمة ، واذا تحول جسمه تحول بكافة مفاصله ، وكان الرسول بسبب رياضته لبدنه مستوى الصدر والبطن ليس له كرش ناتئ ولا عضو نافر ، وكان يصعد جبل " حراء " و ، ينزل منه كما هو لا يرى عليه أثر الاجتهاد .
فلا غرابة اذن أن يلتفت ذات يوم الى شباب المسلمين وكهولهم وقد التفوا به رجالا ونساء ، وربما لاحظ من بينهم من أسرف على نفسه فى العبادة ، وانشغل بزوجه وأولاده ، وزهد فى جسمه وهندامه ، فقال : " ان لربك عليك حقا ، وان لبدنك عليك حقا ، وان لأهلك عليك حقا فاعط كل ذى حق حقه " .
ولا يعنى بحق البدن مجرد توفير الاكل واللباس والسكن اذ يعتبر ذلك من باب تحصيل الحاصل ، وانما يعنى حق توفير مناعة هذا الجسم ومرونته وجماله بصفة دائمة .
وذلك تحقيقا لقوله تعالى :
"لقد خلقنا الانسان فى أحسن تقويم " .
- ولم يكن الخلفاء من بعد الرسول بأقل منه حرصا على ضمان حقوق البدن وتنبيه المسلمين اليها ، وهذا عمر بن الخطاب ثانى الخلفاء يمر ذات يوم واذا بشاب قد تنسك وأحنى ظهره وطأطأ رأسه علامة الخشوع والتبتل فحمل عليه عمر وضربه وقال له :
" ارفع رأسك واصلح قامتك ، لا تمت علينا أماتك الله "
ومما يسترعى الانتباه كذلك ، زيادة على ما تقدم ، أن جوامع المسلمين ومساجدهم تكاد تشبه من الداخل قاعات الرياضة البدنية لخلوها من الكراسى التى تغص بها الكنائس والبيع ، ولا غرابة فى ذلك ، فكل أنواع الصلاة الاسلامية تشتمل على الحركة ، حركة كامل البدن من قيام وركوع سجود
باستثناء صلاة الجنازة . فهل يكون من باب الصدفة أن تشتمل كل الفرائض والسنن والنوافل من الصلاة عندنا نحن المسلمين على الحركة ؟
وفى رأيى أن الاسلام وثق دائما بين الروح والجسم ودعا الى تربيتهما واصلاحهما وليس هناك عرض وجوهر ولب وقشور وأصل وفرع ، وانما هناك وحدة متكاملة بين الجسم والروح ، والصلاح فى تحقيق هذا التكامل هو ما افتخر به شاعر الحكمة أبو الطيب المتنبى فى قوله :
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وهناك بحث جيد فى هذا المعنى صدر عن المعهد القومى للبحوث التربوية الفلاحية بفرنسا : ( I . N . R . A . P . N 19 - Dijion France ) يؤكد ضرورة اقتران التكوين الثقافى بالتكوين البدنى ، وذلك ليكون هذا التكوين المزدوج عونا على النهضة بالانسان من جهة والاقتصاد الوطني من جهة ثانية .
الرياضة اليوم :
وبتدهور الخلافة الاسلامية فى المشرق والمغرب ، وتعرض العالم العربى اثر ذلك الى الاستعمار تدهورت الرياضة البدنية واقتصر حق البدن على توفير الحد الادنى من القوت واللباس والمسكن .
أما الغرب فقد خطا فى هذا الحين خطوات عملاقة فى ميدان الرياضة وتكوين الانسان الجديد .
وهكذا برزت كل من ألمانيا وانقلترا وفرنسا ، وكسبت الرياضة البدنية بعدا آخر ، وصار لها روادها ومفكروها ومنظموها وكان على رأسهم بيار دى كويرتان الذي يعتبر الرياضة أساس العمل التربوى ، بل أساس تكوين الانسان الجديد الحر ، سليم الجسم والعقل متضامنا مع مجتمعه ، ومكتملا فى انسانيته .
- وفى مجال الحديث عن علاقة الرياضة البدنية بالثقافة قال :
" انه لمن الخطأ أن نترك التربية الفكرية تطغى على التربية البدنية ، ان الكلل الذهنى الناتج عن الانتباه المتواصل والتوتر العصبى ، تنجر عنهما فى الواقع الاخطار التى تتهدد الاشخاص غير النشيطين الذين لا يوفرون لابدانهم سبب الحركة ذلك انه ليس بامكان الذين يستنفذون قواهم ويبلغون حدود الاجهاد أن يقاوموا التعب الا بالسهو والاتخاء وتشتت الخاطر " .
دور المربى :
فما هو دور المربى فى المدارس والمعاهد ؟
ان دور المربى الاول هو أن يقاوم كل انحراف بالرياضة عن غائيتها التربوية ويبين من أنها سلاح ذو حدين ينفع مع الاعتدال والاقتصاد ويضر مع الافراط والارهاق .
ومن واجب المربى أن ينتهز أى فرصة للتعريف بالرياضة الصحيحة واعتبارها فضيلة من الفضائل .
وهذا الدور ليس موكولا الى أساتذة الرياضة فحسب بل هو دور كل المتفقدين والاساتذة وخاصة من يدرس منهم العلوم الانسانية وهذا رأى السيد محمد مزالى وزير التربية القومية ونائب رئيس اللجنة الاولمبية الدولية .
ولنا على كل حال فى تراثنا العربى الاسلامى ما يمنعنا من الانزلاق فيما تورط فيه غيرنا من تحريف للرياضة وخروج بها عن غايتها النظيفة النبيلة .
