الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء, ...وعلى نفسها جنت براقش

Share

اعيذك يا شيخ من ان تتمرأ بنا ، وأنت من أنت أدبا ومروءة ، ولقد عرفت فى صباى من فضلك وعلمك وأدبك بالقدر الذى يدركه طفل صغير ، ولم أجرؤ بعد ذلك ان أقلل من شأنك ، او ان اعرفك بوجه غير الوجه الذى عرفتك به .

وانى أربا بك من أنك انت الذى كتبت ما كتبت ، لانه كان يكشف عن سواة لو كان بيدى الامر لسترت منها الذى يحفظ عليك كرامتك ، ويرد عليك فضلك . ولأخذت من يدك خنجرا زلت به يدك ومالت به عنك لك ولجنبتك الارتطأم بصخرة ، ما كان لك ان تزحزحها . ولم ارض لك ان تكون الوعل الذى أوهى قرنه .

واني لأخشى ان يشمل ما كان قال الشاعر ولا اعنى هنا خزنه دار رحمه الله وبرد ثراه .

مستسهلا حتفه مستصغر الرامى بل

كنناطح صخرة يوما ليوهنها

فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

وحاشاى آن اقول لمعلم ادبنى صغيرا مثل هذا القول وان أجاهره بمثل هذه الكلمات النابية ، التى تخرج بالنقد ، وبالحديث في الادب الى الاحقاد والضغائن ، فما كان اغنانا عن الوقوع في مثل هذه التخرصات

وما احرانا بأن نتحدث فى شعر خزنه دار وحسب ، ذلك الشعر الذي سجله التاريخ ، وكتبت حسناته وسيئاته على الشاعر

فاذا ما تعرض له الدكتور السامرائى ، فانما يتعرض له بوصفه شعرا عربيا ، والشعر العربى نابع عن وطن كبير هو الوطن العربي الذى ينتمى اليه الدكتور السامرائى ، فلم يهاجم هذا الدكتور أدبا تونسيا ، ولم يتهجم على امارة لا شأن له فيها ولا تمسه من قريب ولا من بعيد ، بل تهجم عليها بوصفها امارة عربية

ثم ان اساءة السيد الهادى العامرى واساءتك انت من حيث اردتما الاحسان كانتا اشد على أدب خزنة دار من تهجمات السامرائى بحق وبغير حق

فلا يكتفى السيد الهادى العامرى بما نقله لخزنه دار من شعر مهلهل ضعيف يحط من قيمة الشاعر ولا يدفع عنه تهمة ، بل أضاف الى ذلك تلك الاخطاء المشينة فى النقل ، أما انت فأقررت ما كان اورده العامرى فى الاستدلال ونقدته أجراوا واحدا ، وجريت فى هذا الثواب . على غير حق ، واشتريت من الهادى العامرى نيته الحسنة باكثر من الثمن ، بل ذهبت مذهبا كثر فيه الشطط ، ونم عن نية مبيتة فنسبت أخطاء العامرى لى ، واخذتني بما كان عليك ان تؤاخذه به ، فسألتنى لماذا لم ارجع الى الديوان فأصلح ما افسده العامرى ، وكان عليك ان تسأل العامرى ، وذلك اجدى بك واجدر بعمل نقدى يصدر عن شيخ يحب ان يكون بصيرا بالامور ، وان يكون نقده اعود بالنفع على القراء الذين يريدون ان يخرجوا من هذا الجدل بفائدة

لم يكن ردا . ولا نقدا . ولا شيئا من الادب والعلم هذا الذى يكتبه الشيخ أحمد خير الدين . بل هو هراء وسهام طائشة ، لم تصب الذين نقدوا شعر خزنه دار بشيئا ، ولم ترم منهم مقتلا ولم تكشف للباحثين امرا جوهريا يرجعون الية ، ويقفون عنده ، فكل ما كتبه هذا الشيخ ، لنا ان نعتبره عملا مشوشا لا منهجية فيه ، وانك لتشعر وانت تقرأ حديثه فى الرد ان الشيخ كان كمن يطحن القرون ففى حديثه جعجعة ليس لها طحن . فهو يقف فى رده بين امرين اثنين ، فلا يعرف ايهما يختار ، ايدافع عن أمير الشعراء ، انه يعرض بمن نقده ، ولكنه فى الآخر اهتدى الى الأمر الثاني ، لان سلاحه فى الدفاع عن أميره كان مفلولا تنقصه الحجة والبرهان فماذا عساه يقول :

وخزنه دار مورط لا محاله ، وشعره لا يصلح ان ينهض حجة على شاعريته والذى يلفت النظر فى كلمة احمد خير الدين انه كان يجتهد اجتهادا في طمس المعالم الحقيقية ، وذلك بابراز بعض الجزئيات التافهة التى لا شأن لها واطالة الحديث حتى يميل برأى الفاحص المتتبع عن الحقيقة بعض الشئ عن سواء السبيل ولكن انى له ان يظفر بذلك ، والمسألة قد أخذت طريقا جدية في الجدل ، وقطعت اشواطا لم يلحق شيخنا الا نهايتها ، وانت تلمس من مقاله انه خالى البال مما قيل او كتب حول الشاذلى خزنه دار ، او هو يتعمد اخفاء هزيمة نكراء نالت اميرا قد يكون بايعه شيخنا المحترم ، واني سأضع فى هذه المرة تخطيطا واضح المعالم مكشوف الخطوط ، حتى تعلموا من امر خزنه دا ما اجتهد السيد خير الدين ، فى طمسه واخفائه

كتبت فى عدد نوفمبر 1063 لمجلة الفكر ردا بعنوان (بين العامرى والسامرائى) ، تعرضت فيه لاقليمية السامرائى ، وضعف حجة العامرى حيث أساء الاستاذ العامرى للشاذلى خزنه دار من حيث اراد اجحسان ، واني مورد لكم الابيات ، التى جاءت فى دفاع العامرى للدلالة على شاعرية خزنه دار

واضعا خطا تحت كل مأخذ من مآخذها . يقول العامرى فى معرض الاستدلال :

وهذي خضراء البلاد حنينها يكاد يهز المشرقين مرددا

وهذى صرخاتى كدابى بينكم على الحق ما حادثت ولا ذهبت سدى

فكونوا . . كما شاءكم خير أمة مع الحق انصارا على الناس شهدا

ينسب العامرى هذه الابيات الى خزنه دار ، وينفى ذلك احمد خير الدين مجانا ودون أية حجة وهذا لا يهم فى قليل ولا فى كثير ، فانى لاحسب العامرى أصدق فى دعواه ، لان هذا الشعر من ذلك النبع وهو لا يختلف ما حيث مبناه وصوره واخيلته عن شعر خزنه دار ، ولكن فلنسلم جدلا يا العامرى نسبها جهلا او غلطا إلى خزنه دار ، فلا ينفى كل هذا ان الشيخ خير الدين تصدى للدفاع عنها ، ووهم انه ارجع المياه الى مجاريها والحق الى نصابه ولم يفعل الشيخ من ذلك شيئا ، وابقى دار لقمان على حالها .

ان الاخطاء العروضية الواردة بهذه الابيات الثلاثة كانت أربعة وهى

1 وهذى خضراء البلاد حنينها

2 وهذى صرخاتى كدابي بينكم

3 فكونوا كما .؟. شاءكم خير امة

4 مع الحق انصارا على الناس شهدا

فهل لنا ان نعرف السبب الذى جعل ش الذي جعل شيخنا المحترم لا يجيب الا على أمر واحد . وهو تخريجه شهدا على صيغة ركع وسجد بتشديد الهاء حتى يستقيم الوزن ، ثم هو يحاول بعد ذلك ان يعطى درسا فى العروض ، وحدا للفاصلة الصغرى والكبرى . ويجعل قولى فهل من فاصلة كبرى فى الطويل مردودا لا الفصلة فى هذا البيت كانت على غير ما وصفته انا فهى فاصلة صغرى ! كبرى . وهكذا يقع الشيخ حفظه الله في خطأ ما كان له ان يقع فيه . اذ انه اهمل السين فى الناس ولم يعدها مع السين والهاء والدال . وهكذا ترى ايها القارىء الكريم انها عندما تضاف السين فى الناس الى شهدا في الكلم الموالية لها تصبح فاصلة كبرى كما قلت انا ، لا فاصلة صغرى كما توهم الشيخ خير الدين اللهم الا ان يكون فى ظن الشيخ ان الفاصلة لا يمكن ان توزع على كلمتين ، وهذا خطأ يجدر بالشيخ ان لا يتورط فيه ، على ان هذا التخريج الذي خرجه من انها كركع وسجد لم يصدر الشيخ فيه عن رأى صحيح ، او مقابلة جدية ، ولم يرجع فيه الى المؤلف ، وحتى عندما احتدم النقاش شفاهيا بينى وبينه فى هذه المسألة بالذات كان الشيخ لا يعرف ان شهدا تخرج مخرج ركع وسجد الا عندما لفت أنا نظره وقلت له اللهم الا ان نقرأها شهد بالتشديد ، فاخذ الشيخ المنجد من درج مكتبه ، بتصفحه ملهما مادة شهدا ، حتى عثر على صيغة شهد وكان هذا بمحضر شيخين جليلين فكان الشيخ حفظه الله كمن ظفر ببيضة الديك ، وصاح بي ، ان

الشاعر انما كان يريد شهد بالتشديد ، وهذا المنجد ذكرها في صبغ الجمع وكأن على ان اقبل من الشيخ هذه الدعوى للتحرى ، حتى لا يقع الناقد فى اخطاء قد تقلل من شأنه ، وتضع من قيمة نقده . وان كنت أشك في أن الشاعر أرادها شهدا بالتشديد لانه انما اراد ان يضمن الآية الكريمة والآية بتحريك الهاء .

وانى لأميل شديد الميل الى ان الهاء غير المشددة ليقع تجانس القصيد ، فان الاخطاء السابقة ، تلك الاخطاء التى لم يتعرض لها الشيخ ، تبرر هذا الخطأ الاخير

ثم ان الشيخ يجعل ألف شهدا ألف وصل ، وهى ألف المد إذا عرفنا ان الكلمة فى الاصل شهداء بالهمز ، فألف الوصل هي ألف الاشباع ، وحتى ألف شهدا بالتشديد فهى كالألف التى نجدها فى قرأت كتابا ، اما ألف الوصل فهى التى نجدها فى اشفقت على احمد ، وانى لا أحب ان اؤاخذ الشيخ بهذه الألف ، فقد قال الشيخ فى مناسبة قريبة ، انه يجهل العروض وانه لم يتوفر له ان درسه الا حين وقع تكيفه بتدريسه ، على ان تخريج الكلمة مخرج شهد بالتشديد لا يكون شفيعا فى الاخطاء الاخرى التى اهملها الشيخ ولم يعرها أية التفاته ، لان همه لم يكن اتصاف الادب وارجاع الاشياء الى نصابها ، بل كان مجرد التوريط والتعريض وتشويه الحقائق . وما كان اجدر مثل الشيخ خير الدين ان لا يقوم بدور محام فاشل واهمس لشيخى بان هذا البحر ، هو الطويل ، واني لادعوه لان يقطع هذه الابيات حتى يتبين له ان شهدا ليست هى العيب الوحيد حتى اذا حذفت من نقدى ، سلم القصيد من العيوب

ولا ارى مندوحه من ان اذكر له وزن الطويل وهو فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن مع الاببيات مرة أخرى حتى يراجع نفسه وحتى لا تجنى على نفسها براقش

وهذي خضراء البلاد حنينها يكاد يهز المشرقين مرددا

وهذى صرخاتى كدابى بينكم على الحق ما حادثت ولا ذهبت سدى

فكونوا كما شاءكم خير أمة مع الحق انصارا على الناس شهدا

احسبك ادركت يا شيخنا ان شهدا لم تكن هي الهفوة الوحيدة في القصيد وان للحديث بقية ، ولكنى اراك اهملت هذه البقية ، فماذا كان يدعوك الى هذا الاهمأل ، والوقوف عند هذا الدفاع المنقوص . ام كان ذلك مبلغ العلم عندك وحاشاك ان تكون كما يظن بك رجل السوء . على انى اراك اغفلت خطأ ثانيا وقع فيه خزنه دار وهو لعمرى خطأ فاحش لم تتعرض له ولم تناقشني فيه فما الذى الهاك عن الرد ، فلو عدلت عن نكتة ترحى وترخى الى جوهر الموضوع

لكان ذلك بك اجدى وعلى الفاحص المتتبع اعود بالنفع . واكثر جدوى من نكتة رخيصة مجتها الاسماع ولم تعد لها من سوق فى دنيا الناس هذه . مع ما فيها من سوء الادب مع القرآن .

وهذا الخطأ الثاني يتمثل فى هذا البيت الذى لم تنكر انه للامير خزنه دار

وما المجد بالميسور - وبحك - نيله

فلا بد للاحراز عنه من الفدا

وقد كنت قلت فى حديثى عن هذا البيت ان احرز فعل متعد بنفسه فلا يقال احرز عن الشئ بل احرزه . وليس من الجائز فى الشعر الزام المتعدى ولا تعدية اللازم .

انك يا شيخنا سكت ، ولم تقل شيئا عن هذا البيت يظهر انك راجعت كل كتب اللغة فوجدت صواب رأيى ، فلم تزكه لانك كنت فى معرض تغطية الحقائق بعيدا عن النقد النزيه المبرأ عن التخرصات انا جعلت الادب قبل الاشخاص وقبل خزنه دار اما انت فاراك جعلت خزنه دار قبل الادب والادب اعلى واكبر من كل الاصنام ، فاذا جاء الاسلام بتطهير العقائد من الوثنية فعلينا نحن ان نخلص الادب من الاصنام . انا لا احقد على خزنه دار حينما اجعله صنما . لان الصنم لا يحقد عليه ، بل اريد من خزنه دار وجه الادب لا وجهة .

وانى اجتهدت كثيرا فى التماس الاعذار لخزنه دار وتمنيت ان يكون التصحيف ، ورجوت ان يكون العامرى هو الذى اساء النقل ، ولكنى رجعت الى ديوان خزنه دار كما احببت يا شيخنا فاذا هو هو هو كما أحب ان يقدمه لنا الاستاذ العامرى .

انا اعرف الشيخ احمد خير الدين منذ صباى ، اعرفه حين كان معلمى ، أعرفه نحويا ، ولكن منذ عهد الصبا الى اليوم انقطعت عنه ، ولم يبق فى ذهنى من علمه وفضله الا بقدر ما يراه من لم يبلغ العاشرة من عمره . وانى عارض عليه هذه المشكلة اللغوية والنحوية

ففى صفحة 42 من ديوان خزنه دار ، ورد هذا البيت

دعهم يريقوا يزهقوا يستنزفوا

ينفوا يبيدوا يفعلوا ما شاءوا

في قصيد ضحايا الاغتصاب . أليس من الحق ان يقال يا شيخنا : دعهم يريقون يزهقون فالاراقة لم تكن فى حيز الطلب ولا الازهاق ولا الاستنزاف ولا النفى ولا الابادة ولا الفعل

انه لا يروقك طبعا ان تصدمك الحقائق هكذا ، قد يكون ذلك لانك عشت فى جيل قتلته المجاملات ، وقضى على الشعر فيه أدب البيوتات ، ان الشعر يا شيخنا الوقور اصبح كسبا شعبيا لا يصلح التسامح فيه ، ولا تنمية المجاملات التى بلغت احيانا مرتبة النفاق

ان اخفاء الحقائق يا شيخي لا يجدى الادب فتيلا ولم يعد بوسعك ولا بوسع احد غيرك ان يغالط التاريخ . أو يطمس الحقائق

ثم هل احسب ان سكوتك عن هذه الاخطاء والتى لم تتعرض لها من باب المجاملة ؟ حاشا ان اعرض شيخنا لمثل هذه الحماقة .

وهذا خطأ آخر ورد فى مقالى ولا يعرض له الشيخ بكلمة وهو يتمثل فى قول أمير الشعراء :

ما السجن والابعاد عار انما

ما العار الا العجز والأذلال

كم من شريف فى القيود مكبل

وقتى وضيع سره التجوال

هذا يرى . . . الحياة تنفسا

وسواه ذلك . عنده القتال

دون اقتناء المجد كل كريهة

فاصبر لها تتحسن الاحوال

قلت فى كلمتى - ان الشاذلى خزنه دار يورد بعد اداة الحصر " انما " ما " النافية فما كان يدعو الشاعر الى هذا الحشو وماذا يقصد باداة الحصر وقد اغنته " ما " النافية ووفت بالغرض

ان - خير الدين شيخنا الكريم - يصاب هنا بالخرس فلا يحير جوابا . وتعرضت الى قوله :

دون اقتناء المجد كل كريهة

فاصبر لها تتحسن الاحوال

وهو من قول المتنبى :

لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى

حتى يراق على جوانبه الدم

ولكن اين الثرى من الثريا . وهل بلغ بهذا المعنى مرتبة شوقى الذى صاغه احسن صوغ ، وكساه أبهى حلة واجملها حيث يقول :

وما نيل المطالب بالتمنى

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

ثم ما معنى : وفتى وضيع سره التجوال بل ما معنى كل هذه الابيات ولا احسبنى فى حاجة الى ان أدلكم عما فى هذه الابيات من السخف والتكلف والبعد عن الفن والشعر . فهل من شاعرية ايها القارىء في هذا الكلام أنا اذا كنت اعرف فضل هذا الشاعر ، ووطنيته وغيرته ، واستقامته واندفاعه فلا اعرف له بيتا واحدا من الشعر مما وقع فى يدى من شعره - ويؤاخذني الشيخ أحمد خير الدين بجريرة الاستاذ محمد العامرى الذى أورد البيت في مقاله هكذا :

هذا يرى الحياة تنفسا

وسواه ذلك عنده القتال

وانا عندما تحدثت عن هذا البيت تحدثت عنه كما نقله العامرى . فالذى كان عليه ان يرجع للديوان ليس أنا بل الرجل الذى اختار هذا البيت للرد على الدكتور السامرائى

اما لو كنت أنا . فانى لأجد فى اهماله وعدم ايراده وفاء لاميرك خزنه دار يا شيخنا . وانى لأرى ان السكوت عن هذا البيت من باب اذكر موتاك بخبر ثم انى اسألك وقد رجعت الى الديوان ووجدت البيت هكذا :

هذا يرى معنى الحياة تنفسا

وسواه ذلك عنده القتال

هل فى هذا الكلام من معنى يا شيخى وما هى مواطن الجمال فيه واى شعر يكون هذا . اما أنا فألقى التبعة على ذوقك .

وعلقت ايها الشيخ الجليل حفظك الله وعصمك من الخط على هذا البيت

فخف من خف منا للوغي طربا مستسهلا حتفه مستصغر الرامى

بعد ان استعرضت قول فيه وهو : " وهل يعنى باستصار الرامى الا تحقيره وهو انما يريد ان يقول انه لا يأبه به ولا يحسب له حسابا .

ان استصغار الرامى واحتقاره لا يثبت قوة المرمى ولا شجاعته الى آخره ، ثم انك لا تأت فى تعليقك بشئ ولم تعقب بكلمة - بل تخلصت وتزحلقت الى قولى هل ان هذا القصيد قصيد معركة ام هو قصيد جمع تبرعات . وهنا يتبين انك لم تجد شيئا تقوله فقد اعجزتك الحيلة ، وخفى عليك العذر ، فسلكت مسلك التضليل . والتشويه .

ويقول الشيخ احمد خير الدين يسلك فى هذا السمط مؤاخذة أخرى لا تقل عن سابقتها فقد اورد للشاعر خزنه دار قوله " :

دب الشعور فاحيا كل عاطفه

واوجدنا من بعد اعدام

فمن هذا الذى تعنيه بقولك فقد اورد ، ان كنت تعنينى انا فهذا غلط محض ، لانه لم يدر بخلدى يوما ان اتحدث عن شعر خزنه دار . فالذى اورد البيت على ما هو عليه هو الاستاذ محمد الهادى العامرى . وانك يا شيخنا هنا أظهرت انك تجهل اطوار القضية ، وانك لم تعرف من هذه المعركة الطويلة النفس الا بالقدر الذى كتبته أنا .

وانى أربا بك من ان تخبط حبط عشواء ، وان تنسب الاخطاء الى غير أهلها . فتكون حجتك عليك ، وقد اردتها ان تكون لك ولو لم تكن معلمي وانا اكن لك من الاحترام القدر الذى تعرف ، لقلت لك انك اصبحت تهرف بما لا تعرف . ولنصحتك بالرجوع الى كل النصوص التى قيلت فى هذا الغرض . حتى تعلم ان محمد الهادى العامرى لم يشر الى ان شعر خزنه دار هذا كان لجميع التبرعات :

ان الشجاع سخى الكف يشبهه

هما الشقيقان مقدام لمقدام

وهذا ما جعلنى اتساءل ؟ واقول : القصيد قصيد معركة ؟ ام هو قصيد جمع تبرعات ؟

على انى لا اتريث فى ان اقول ان هذا القول من اضعف الكلام ، رغم المناسبة التى قيل فيها .

وتحدث الشيخ خير الدين عن المعاطن ، وقارنها بكلمة قلتها أنا فى قصيدى " سلام " الذى نشرته مجلة الاذاعة . وخرج المعنى تخريجا بعيدا . حيث يقول خزنه دار :

اولئك القوم صرعي فى معاطنهم

ويقول احمد خير الدين : ماذا فى استعمال كلمة المعاطن من ضير اذا علمنا ان الوحشية الفاشيسستية لم ينج من شرها ساكن قصر ولا ربة كوخ وخاصة سكان البوادى الالى يقيمون بجوار بيوتهم معاطن الابل

ونرى هنا الشيخ خير الدين يبحث عن المخرج . فان ساكن القصر الذى لم ينج من الفاشيستية من المعاطن ؛ ويجعل الى جانب ساكن القصر ربة الكوخ . لماذا ربة هكذا بتاء التانيث لا رب الكوخ حتى يجانس قولك ساكن القصر . ثم يتدرج من تعليل سخيف الى تعليل اكثر سخفا وهنا يتجلى ان الشيخ يركب في بحثه عاطفة اذ يقول : " سكان البوادى الالى يقيمون بجوار بيوتهم معاطن الابل التى هى ثروتهم الوحيدة منها يأكلون وعليها يرحلون فنحن نتحدث عن المعاطن ام عن الابل ، وما هو دخل الابل فى قول خزنه دار :

اولئك القوم صرعي فى معاطنهم

ثم اين سكان القصر فى هذا البيت ، فان كلمة معاطن لم تشملهم لقد شوهت وجه النقد بهذه التعليلات الواهية الضعيفة . ثم نرى الشيخ يسكت عن هذا البيت :

حياة المذلة أردى حياة

وعن قول خزنه دار:

الا بالتعاضد فلنبتد فمدوا يديكم فهذى يدى

فهذا بجاه وهذا بمال وهذا بعلم لكى نهتدى

وكونوا رجالا يصان حماهم

يسكت عن كل هذا لانه يبدو ان بحثه عن التعاضد بالجاه أعياه . وعند هذا العجز يقف الشيخ خير الدين

فهل للمحنة من عضد

قائلا : " ولست ادرى من اين جاء بهاته المحنة " . فمن يخاطب منا الشيخ ، ايخاطبني أنا ام هو يخاطب العامرى

وكان عليه ان يسأل العامرى من اين جاء بها . فهو الذى اوردها على هذه الصورة اما أنا فيكفينى ان اقول للسيد العامرى ان هذا خطأ وحسب وهكذا يحاول الشيخ خير الدين ان يتسلل مرة اخرى ليأخذني بجريرة العامري فالذى قال محنة ايها الشيخ الوقور ، هو السيد العامرى قالها فى معرض المفاخرة بشعر خزنه دار ، واقامة الحجة والبرهان على الدكتور السامرائي

فدعك ايها الشيخ من هذه المغالطات ، فالحق ابلج . فاذا ناقشت العامري فليس معنى ذلك انى أنا نقلت الخطأ بل غيرته كما اتفق لى ، وناقل الكفر ليس كافرا .

ثم يتهجم الشيخ على احسن ما قيل من شعر نازك الملائكة. وعبدالعزيز

قاسم فيقول وغرضه اتهام ذوقى " فوقع على العجيف السخيف بينما نعلم ان لهؤلاء الشعراء ما يعجب ويطرب ويسحر ويسكر " فهل هذا الذى قالته نازك الملائكة من العجيف ايها الشيخ:

وشفاه تموت ظمأى ولا تسأل اين الرحيق اين الكاس

ونفوس تحس اعمق احساس وتبدو كانها لا تحس

فانى لا ارى أحدا من الناس يشاطرك هذا الراى

ثم هل تعرف قصيد عبد العزيز قاسم الذى اكتفيت انا بذكر طالعة . حتى نقول انه عجيف . انك ولا شك تخبط خبط عشواء فما احراك بان تضع اصبعك على مواطن الجمال فى الشعر بطريقة Braille

انا واثق من انك لا تعرف قصيد قاسم . وانى أراك حكمت عليه بانه عجيف رغم ذلك .

ثم أليس فى قولك " بينما نعلم ان لهؤلاء ما يعجب ، تراجع واستدرك يشير الى بلبلة احكامك . فعلام تنكص هكذا على اعقابك .

ان ما يقوله قاسم فى هذا القصيد ونازك الملائكة يعدل : ديوان خزنه دار كله . بل ودواوين كثير من الاصنام ومومياء الادب

اتقيس شعر هؤلاء بشعر خزنه دار ؟ انها لاحدى الكبر . ثم انك بعد ان تقرأ لقاسم ونازك الملائكة أراك تجد الدافع من نفسك لان تقرأ هذا الشعر

دون اقتناء المجد كل كريهة

فاصبر لها تتحسن الاحوال - وسره التجوال

كان من حقك ان تستمر هذا الشعر حين تقيسه بشعر مصطفى خريف وأبى القاسم الشابى ولا احب ان تفوتنى هنا مقابلتك كلمة معاطن بكلمة مناخ فالمناخ كلمة لها عدة معان فعلام قصرتها على المعاطن

يقول لسان العرب والقاموس المحيط . النوخة الاقامة فيكون مكان الاقامة بالضرورة مناخ وهذا ما ذكره صاحب المنجد اذ قال - المناخ محل الاقامة والمناخ حالة المكان من حيث اعتداله

فهل يكون بعد هذا ثمة مأخذ فى قولى

وربيع به الزهور حيارى

من مناخ ومن هواء وماء

فاى وجه اعتمدته ايها الشيخ ؟ بل اية قرينة جعلتك تذهب فى مقابلة اتقيس شعر هؤلاء بشعر خزنه دار ؟ انها لاحدى الكبر ثم انك بعد ان تقرأ

المناخ هنا بالمعاطن . ليس سوى الخلط ثم تؤاخذنى بولى حيارى وتجعل مفهوم الحيرة مقتصرا على هذا المعنى قائلا مع اننا نعلم ان الحيرة لا تدل على غير التردد والضلال عن الطريق . اذن فماذا يكون المعنى فى قول القائل : حير الافكار بدرى هل يكون بمعنى ضللها . واذا جعلت الزهور فى حيرة ، فامرة القيس جعل الليل يرخي سدوله ألم تستبد بك حيرة الشاعر حين يؤخذ بالجمال . بل حيرة العقل امام هذه الكائنات الجميلة حين تبحث عن مبدعها . انك لم تأخذ من الحيرة الا بالقدر الذى احببت شأنك فى ذلك شأنك مع كلمة مناخ .

ان هذا التهجم السافر ، وهذه السمفونية من التعريض والشتائم لا تصلح يا شيخنا ان تكون نقدا جوهريا فى موضوع ادبى

واذا كنت لم اتعرض لادبك ذلك لانى لا احب الاسفاف والتحدث فى أمور قد تخرج بى من دائرة الادب فالمساومة ايها الشيخ لا تجدى ، وقديما قيل ؛

غير مجد فى منتى واعتقادى

ثم انى اسائل نفسى هل قرأ احمد خير الدين ما كنت قلته للدكتور السامرائى فى المقال الذى تعرض له لقد كنت قلت له ايها الشيخ بالحرف الواحد " فحديثه اما ان يكون سطحيا وهراء لا تحقيق فيه ولا منهج علمية واما ان يكون اقليمية شرقية اراد ان ينتصر لها الدكتور السامرائى ولكن ما كان اغناه عن مثل هذه النعرة التى اصبحت عملا بدون طائل

ثم ألم يقرأ الشيخ الوقور " فما بال دكتورنا السامرائى يكتب ما يكتب بمجلة الاديب العراقى ، ثم يكتب ما يكتب بمجلة الفكر وهو فى الاولى يريد ان يثبت فضل اهل المشرق على اهل المغرب وفى الثانية يحب ان يتخلص مما وقع فيه من مركب الاقليمية ، ولكنه على كل حال ورغم كل الالتواءات لم يجد السبل التى تخلصه . أبعد هذا الكلام يا شيخنا الوقور اعنى الشيخ خير الدين " تسول لك نفسك ان تقول فى عدد ماى من مجلة الفكر " وهنا نراه يخر راكعا امام صنمه ضارعا مبايعا فى قولى " فانت ترى يا دكتورنا اننا معك فى نفي الشاعرية عن هذا الامير " ولا يخفى ما فى هذه الامعية المقيته من الملق المخجل والاستكانة المشينة .

قال هذا احمد خير الدين لتشويه الحقائق ، فالنون فى يا دكتورنا لا اراها تكفى لالصاق كل هذه التهم بى من استخداء واستكانة الا ان تكون آل فرعون فى القرآن قيلت للتعظيم او الا ان تكون النون فى يا شيخنا فى هذا المقال بالذات تفيد ما حمله الشيخ قولى يا دكتورنا .

انك واهم ايها الشيخ فالاستخداء والاستكانة ليستا من شيم التونسيين وانت تعرف انى لم استكن لاحد ، ولن استكين ابدا وان كلمة يا دكتورنا لا

تصلح وحدها لان تودى كل هذه المعانى المرذولة ، اذا قستها بالمقدمة التى افتتحت بها حديثى فى الرد على الدكتور واعود لك ايها الشيخ الوقور ، لاعرف رأيك فى قول خزنه دار :

قامت وفى الطرف منها دمعة سقطت

تسقي المورد اشفاقنا على الغصن

مالت لايقاظ من نادته يا ابتى

وفى المناداة ما ينبى عن الحزن

فاستيقظ الولد المنكود طالعة

لرقة الصوت مذ هفت على الأذن

أزال عن رأسه اطمار غاشية

وقام يعثر فى المسحوب كالشطن

فاى شعر هذا - انه اجترار ، وصور مفككة مهلهلة ، بعيدة كل البعد عن ان تكون فنا وشعرا ، نعم انها اجترار للامية حافظ ابراهيم وهل تحسب شيئا اذا قارنتها بامرأة حافظ ابراهيم

شبحا ارى ام ذاك طيف خيال

ان الشيخ هنا لم يقل كلمة واحدة ، بل مر على هذه الترهات مر الكرام . اما أنا فأقول للشيخ ليس النقد شتما وسبابا بل هو عمل بناء .

يا من رأيت الليث ينزل انه ليث ومن فرط الطوى يتوثب

ان الخيول اذا تركت ركبها يوما قعدت وجاءها من يركب

اشترك في نشرتنا البريدية