الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء

Share

فى العدد 8 - ماي 1977 من مجلة " الفكر " اطلعت على مقال السيد محيى الدين خريف ، بعنوان : " ليلة شعراء العالم فى استروقا " ، الواقعة فى مقدونيا ، احدى جمهوريات يوغسلافيا .

فى هذا المقال الشيق ، لفت انتباهى مقاطع لا تندرج فى رؤية متناسقة ، انساق اليها الكاتب ، عن حسن نية ، كما يتبين من سياق الكلام .

أبدأ بذكر هذه المقاطع ، ثم أقدم توضيحات آمل ان تكون ذات فائدة.

قال الكاتب فى معرض حديثه عن المنطقة المذكورة : " وسكان هذه المنطقة من المسيحيين الارثودوكس والمسلمين الذين يتشبثون بدينهم كأروع ما يكون المسلم "

ثم يتحدث عن أقدم كنيسة فى استروقا قائلا : " كانت أقدم كنيسة فى " استروقا " المقدونية تشهد معالمها بما مر عليها من تغييرات حمل كل واحد منها تاريخ حقبة بأكملها . ولعل أقربها هو ما احدثه الاتراك من طمس لزخارفها الكنسية التى أبدع في تزيينها الروم الشرقيون وتحويلها الى مسجد لطائفة المسلمين بمقدونيا . لقد دار الزمان دورته التقليدية وعادت الكنيسة الى ما كانت عليه ، ولكن شيئا واحدا بقى ماثلا لم يتحرك . انه المحراب الذي نصبه الاتراك فى بهو الكنيسة الكبير قطعة من الصخر قد نحتت على شكل متساو بديع يوحى للمسلم بالرهبة والخشوع . ويشعر عند رؤيته بعظمة التاريخ وهيبته . كان المسؤول يشرح لنا الفترة التى مرت بمقدونيا وكنيستها ايام الاستعمار التركى ، وكيف بقى العمال طيلة اثني عشر عاما يعملون على اظهار الصور التى طمسها الاتراك . وكان ذلك مجهودا جبارا ، الا انهم أصروا على ابقاء المحراب كمثل يوحى بما للتاريخ من فعل فى الاشياء والناس وقد عبر عن شموخ المحراب شاعر عربي كان معنا فقال :

وقائم يتحدى غير مكترث            رغم القرون ورغم القيل والقال " .

بعد هذا العرض ، أشبر الى ان كلمة " استعمار تركى " تعبر عن لسان حال

المسؤول المتحدث (  ما أروع عبارة . . رغم القيل والقال . . لدى الاخ الشاعر ) ولكن التواجد الذى كان فى البلقان كان فى الحقيقة تواجدا اسلاميا أمميا , وليس استعمارا . كان فتحا عثمانيا اسلاميا . تماما مثل الفتح الاسلامى لاسبانيا والاندلس ووفق انصهارات عرقية اكثر تعقيدا ، شملت الترك والعرب والكرد والشركس والتتر والاجناس البلقانية المحلية . علما بأن اعتناق الدين الاسلامى كما يتبين من كتب التاريخ ، وتبنى لغة القرآن فى أمور الدين والزواج والوقف وغيرها حسبما يتوضح فى الدراسات الحديثة ، وذلك من قبل قطاعات واسعة من السكان المحليين ، قد تمت دون اكراه وفي حرية تامة ، بصورة افرادية احيانا ، وبصورة جماعية فى أغلب الاحيان .

لنعد الآن الى موضوع التغييرات التى تناولت جدران الكنيسة .

انها فى الحقيقة مماثلة لتلك التى أجريت في العهود الاسلامية المتتابعة . وهي لا تتبع عن عداء للاماكن المقدسة ، ولا عن تعصب ضد الفن كما يريد ان يصور بعض المضللين ، مستغلين تعلق الناس المتزايد بالآثار الفنية ، وانما تنبع من مفاهيم الدين الاسلامى الحنيف الذي يستبعد التجسيد والتصوير وهذا واضح لكل ذى نية سليمة .

أحببت الاشارة إلى ذلك كله ، لانه سبق لى ان اطلعت فى مجلتكم على موضوع يتعلق بزيارة مماثلة لبودابست - هنغاريا ، أجراها أحد الاخوة التونسيين ، وتناول فيها الامور بنظرة مشابهة . بينما نرى فى " الموسوعة الاسلامية "، وهي من وضع مستشرقين ، أن بودابست كانت تسمى فى العهد العثماني : " حصن الاسلام الحصين " . آه كم نجهل تاريخنا .

كلمه لا بد منها ، لان تبادل الزيارات الثقافية فى تزايد مستمر ، وتحديد زاوية الرؤية السليمة أمر واجب ، وأملنا أن لا يقع أدباءنا فى المغرب فى مثل هذه الهفوات التشخيصية ، ونحن نعلم انهم اكثر عمقا ووعيا فى مثل هذه الامور من كثير من الكتاب فى المشرق العربى الذين وقعوا فريسة التصويرات المضللة التى يصوغها ويروج لها أعداء تاريخنا الاسلامي . لدرجة أن بعضهم أخذ يتغنى بانتفاضات فئات السكان فى البلقان على الكيان العثمانى الاسلامى ، وبدعم جيوش روسيا القيصرية وتصويره كانه يقوم بدور تحريرى ، مع أن روسيا القيصرية كانت قلعة الرجعية العالمية فى القرن التاسع عشر ، بشهادة الاستعماريين الغربيين ، والكتاب الثوريين الماركسيين . من ولكم مزيد الشكر

اشترك في نشرتنا البريدية