الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

نشؤ المذهب الخارجي بافريقية والمغرب

Share

لقد روع الخوارج الدولة الاموية بثوراتهم المتتالية وبسيطرتهم على بعض البلاد فى ايران بارض فارس وكرمان وسجستان والاهواز وسائر كورها ( 1 ) وفي الجزيرة العربية باليمامة والطائف واليمن وحضرموت بالاضافة إلى مركز  " البطائح " عند البصرة ، وكان السبب فى تفرقهم وعدم تمركزهم فى منطقة واحدة الهزائم التى منوا بها من طرف على وجيشه فانساحوا فى البلاد جماعات ووحدانا ، ولعفويتهم وصفاء ايمانهم ظلوا ينفصلون عن بعضهم ويحتد اختلافهم فيما بينهم ( 2 ) الى ان اصبحوا عشرين فرقة تفرغت كل منها لمسألتين : 1 ) الخلافة 2 ) الايمان

وتنطبع اراؤهم بسير المأخذ والتشدد فى الدين والتمسك بالعدل والمساواة ، وحين نتتبع خط سيرهم في البلاد التى قصدوها بعد معركة النهروان سنة 38 ه نجده خاضعا لطبيعة صراعهم ، ومن المنطق ان ينساحوا فى اطراف المنطقة التى ظهروا بها ؛ وظلت الاموية تتعقبهم لثوراتهم المتكررة وانتوائهم القضاء عليها اذ تمكن الحجاج بن يوسف من متابعة اكبر فرقهم الازارقة وتحطيمهم اثر اندحارهم بطبرستان ( 3 ) وهبت عليهم ريح الفناء لولا ان قلة منهم اثرت

الهروب بعيدا فن مركز الخلافة الى افريقية والمغرب وخراسان وسواحل الخليج العربى لتجد لها من جديد منطلقا الى ترويع الاموية والقضاء عليها ، والذي يرجع الى التبصير ( 4 ) مثلا يدرك ان الصلابة التى واجههم بها عبد الله بن الزبير ومن بعده الحجاج كانت سببا كافيا لتشردهم فى الافاق .

والمصادر على اختلافها مشرقية ومغربية لا تسعفنا بتحديد وقت لظهور الخوارج فى ارض افريقية والمغرب وهى تتفق مع هذا على انهم حين ظهروا وجدوا من ميل البربر الى التمرد ومناهضتهم للحكم الاسلامى وعدم رضاهم عن مسلك بعض الولاة ما مكنهم اخيرا من تكوين أول دولة خارجية فى التاريخ دولة بني مدرار بسجلماسه .

إننا لو حاولنا ان نضبط تاريخ ظهورهم لنفهم طبيعة الانتصار الخارجي فلن نجد الا اشارة عابرة تصادفنا فى كتاب ابن الخطيب ( 5 ) فى الحديث عن دولة بني مدرار واخذ سعد جد مؤسسها عن عكرمة البربري بن عبد الله المدنى ) 25-105 ه ( فعكرمة هذا حسب المالكى ) 6 ( فى الرياض الذي لم يقف عن الاشارة التى تفيدنا فى هذا الصدد من بربر افريقية اشتراه عبد الله بن عباس وتفرغ للاخذ عن مولاه فاصبح اعلم الناس بالتفسير والمغازى ، روى عن زهاء ثلاثمائة رجل منهم اكثر من سبعين تابعي ، واذا رجعنا الى ما كتبه اه العباس المبرد فى كتابه عن الخوارج وجدنا ان نافع بن الازرق يكثر مر

الاتصال بابن عباس ليسأله عن المقاصد القرآنية واستمرت الصلة على هذا النسق الى ان ضجر ابن عباس لالحاح نافع بالسؤال واسرافه فى الاعتراض فادرك ابن عباس الملال (8) وقد عاش عكرمة مولى ابن عباس هذه المشاهد وروى بعضها ، ومما نقل عنه انه رأى نافع بن الازرق يسأل ابن عباس ويطلب منه الاحتجاج باللغة ( 9 ) ودون ريب فان عكرمة كان على صلة بابن الازرق ولربما اعجب بقدرته على الحجاج فمال اليه واستمع الى مقالته حتى اذا نفر من تفاصيلها ولمس في الوقت نفسه نشد ان الخوارج على اختلافهم للعدل والمساواة أدرك نجدة الحرورى زعيم النجدات فاقام عنده ستة اشهر لقنه اصول مذهبه الموسوم بالاعتدال ورجع يحدث براي شيخه .

ومن هنا كان علينا ان نعتبره كما اعتبره المبرد احد الكبار الذين استهواهم رأى الخوارج ( 10 ) ولكننا نعرف أيضا ان عكرمة خرج من بعد ذلك الى بلاد المغرب صحبة سلمة بن سعد تلميذ أبى عبيده التميمى الاباضى وعكف عكرمة فى مؤخر جامع القيروان فى غربى الصومعة يقرئ الناس ( 11 ) لكن ما الذى يقرئهم ؛ اننا نفهم انه كان يعلمهم اصول المذهب الخارجى الذى فقهه فى اقامته بالمشرق وتنقله الواسع بين بلاده ( 12 ) ويكون من الطبيعى لو ان دروسه هذه كانت في مذهب النجدات ومع هذا فلا نفجأ حين نجد فى ترجمته ما يفيد بان اهل المغرب اخذوا عنه رأى الصفرية ( 13 ) وذلك لامرين :

1 ) يمكن ان يكون عكرمة قد تحول عن النجدات ايضا في احدى رحلاته ببلاد لشرق حيث لاقى الصفرية فى اى منها ومال الى مقالتهم . 2 ) ويدعم هذا الاحتمال ان مقالة الفرقتين النجدات والصفرية لا تختلف كثيرا وان يكن الاعتدال طابع الاولى فان الصفرية تقف ايضا موقفا وسطا بينها

وبين الاباضية ( 14 ) وبذلك تقترب من النجدات بقدر ما تبتعد عن الازارقة المغالين : وهذه الليونة التى تسرى فيهما هى التى اتاحت لعكرمة كما نظن ان ينتقل بينهما كما اتاحت للفرقتين ان تستمرا زمنا وان تكون كل منهما دولة تقوم على اساس مذهبى فى الجناح الغربى للدولة الاسلامية بعيدا عن عاصمة الخلافة فى حين تحطم الازارقة برغم سبقهم لانهم يحملون سبب فنائهم معهم اذ ليس من المعقول ان تنجح فرقة تعتبر غيرها من المسلمين مشركين وارضهم ارض شرك تحرم الاقامة بها .

ويبدو أن عكرمة اللبربرى استطاع ان يكون بالمسج الجامع بالقيروان  مدرسة صفرية نفذت تعاليمها الى قلوب البربر واهوائهم بمختلف بلا المغرب ( 15 ) وجد دعاتها هنا وهناك يؤلبون القوم للانقضاض على الدولة الاموية التى بددت الخوارج بالمشرق وظلمت البربر بالمغرب واقامت سلطتها على نسق جاهلى تتحكم فيه العصبية لذلك اثمرت تعاليم عكرمة بينهم فقد تمكن حفيد تلميذه ( سعد ) ( 16 ) عيسى بن يزيد بن سعد ( عيسى بن يزيد الاسود حسب البكرى 149 ) ان يجمع حول قبائل كثيرة من زناتة التى سرى اليها من قبل مذهب الصفرية ويكون بهم دولته بسجلماسه باقصى الجنوب للمغرب سنة 140 ه على اساس مذهب مستغلا سقوط الاموية واضطراب العباسية فى بدايتها لتكون اول دولة خارجية فى التاريخ ؛ وابن الخطيب يشير الى ان زناتة كانت صفرية قبل ان يظهر فيهم عيسى بن مزيد ( 16 ) كما يشير ابن عذارى

ان برغواطة كانت خارجية قبل نشوب ثورة البربر بافريقية سنة 122 ه بقيادة ميسرة المدغرى ولا شك ان عكرمة ما كان ليؤثر هذا التأثير لو لم تكن الخارجية قد نمت بالمغرب عن طريق غيره من الدعاة الذين يعرفون حق المعرفة ان النجاح وقف على الاتصال بالبرير فى مواطنهم بالبوادى والجبال واستمالتهم وتحريك نوازع الثورة فيهم على الدولة ( راجع عن هؤلاء الدعاة Folia Orientalia سنة 1059 حيث كتب ليفكى بحثا عن الخوارج وقف فيه طويلا عندهم ) وبالتسلل الى الجيوش الاسلامية التى كانت تفد على افريقية والمغرب لتوطيد الفتح بغية كسب انصار لدعوتهم يهبون لتعضيدها ويقلبون المجن على الجيش الذى ينتسبون اليه .

وبين ان الاسلام لم يشهد انتصاراته الظافرة بتركزه فى نفوس البربر كما لم ينفذ الى قلوبهم بصورة جماعية الا فيما بين 86 و 101 ه وهي الفترة التى تمتد بين ولايتى موسى بن نصير واسماعيل بن ابى المهاجر . واذا كان العرب قد شغلوا قبل هذا التاريخ بالمعارك الحربية الحاسمة فى الرقعة الافريقية حتى إذا ما انتهوا منها واجهوا تمرد البرير الهادف لاستعادة السلطة من جديد فى ثورتى كسيلة سنة 65 ه ( 17 ) والكاهنة فى ولاية حسان بن نعمان ( 73-85 ه ) فانهم انتقلوا فى المرحلة التالية الى مواجهة جديدة فرضت عليهم استراتيجية من نوع آخر فلم تعد المعارك الحربية وحدها بقادرة على ان تضع الحل النهائي الذي من اجله انتشق المسلمون السلاح واستهدفوا افريقية والمغرب ومن هنا كان عليهم ان يلجأوا الى وسيلة مرنة تفتح للاسلام ولتعاليمه الطريق الى قلوب المناهضين فاتجهوا الى ارسال بعثات تعليمية تبصرهم بالقرآن والفقه واللغة العربية والحق ان حسان بن النعمان عقب توطيده دعائم الفتح العربى بالمغرب بتلك الحروب الظافرة التى اسدل بها الستار على تمرد الكاهنة واتباعها بادر الى هذه الوسيلة العملية بان عين للاهلين ثلاثة عشر فقيها من اجلة التابعين يعلمونهم القرآن واللغة العربية ( 18 ) فكان هذا البداية الحق لحركة التعريب التى لم تكن على يد عقبة قبل الا ارهاصة محدودة ثم تلاه موسى بن نصير الذى وطد ظفره الحربى بتولية طارق بن زياد على طنجة وتمكينه من جيش قوامه

اثنا عشر الفا من البربر وسبعة عشر الفا من العرب ( 19 ) اما ابن خلدون فيضبط العدد ( باثنى عشر الفا من البربر وسبعة وعشرين من العرب امرهم موسى جميعا ان يعلموا البربر القرآن والفقه ) ( 20 )  شانه فى هذا شان حسان ابن النعمان وشان عقبة بن نافع من قبله الذى ترك فيهم بعض اصحابه من بينهم شاكر يفقهونهم فى الدين ( 21 ) ومع ان حسان وعقبة قد سبقا الى هذا فان جماعتهما كانوا قلة لا ينتظر منهم ان يؤدوا الرسالة فى صورتها المبتغاة من حيث التاكد والذيوع وعلى فرض ان موسى قد اقتفى اثرهما فان ما وفره بارسال جيش كبير ذى طبيعة مزدوجة حربية وتربوية الى الاهلين كان كافيا للتعرف على الحيطة واليقظة اللتين يتسم بهما هذا القائد ولنشر التعاليم الدينية بينها والبعد بهم عن التمرد والتردد الذى امعنوا فيه ولما فتح طارق بن زياد الاندلس الجناح الغربى للمغرب ( 22 ) هالهم انتصار المسلمين وخشوا قوة الحكم الاسلامى وامتداده وهبوا لممالاته وانكفأوا عن الثورة الى حين ، ورسخت فيهم كما قال ابن خلدون كلمة الاسلام وتناسوا الردة ( 23 )

ولكنهم سرعان ما وجدوا منفذا الى المنافرة اعطى لنزوعهم طابعا اسلاميا ظاهريا والهب مرة اخرى قلقهم النفسى وتوقهم للانقضاض على السلطة ذلك انهم بادروا الى لقاء الخوارج الذين قدموا الى افريقية والمغرب اثر الترويع الذي اصابهم على يد الامويين واخذوا عنهم واستمعوا الى مقالتهم التى تدعو الى المساواة والثورة على الظلم والعمل بكتاب الله ويبدو ان هذه المقالة لم نغرهم لان الوقوف عندها والارتباط بها يحتاجان الى ثقافة دينية واسعة تمتد الى فهم طبيعة الاسلام ودوره فى حين كان البربر حتى ذلك العهد كما رأيت، وانما الذى أغراهم تصميم الخوارج ودعوتهم الى الثورة على السلطة (24) ان البربر ما لبثوا بعد فتح الاندلس ورسوخ كلمة الاسلام فيهم ان ترددوا ( ونبضت فيهم عروق الخارجية فدانوا بها ولقنوها من العرب الناقليها من

منبعها بالعراق وتعددت طوائفهم وتشعبت طرقهم من الاباضية والصفرية . . وفشت هذه البدعة واعتدها رؤوس النفاق من العرب وجراثيم الفتنة من البربر ذريعة الى الافتراء على الامر فاجلوا فكل جهة ودعوا الى عقائدهم طغام البربر يتلون عليهم مذاهب كفرها ويلبسون الحق بالباطل فيها الى ان رسخت فيهم كلمات منها ووشجت بينهم عروق من غرائسها ) واستمرت الدولة فى العناية بهم وفي تربيتهم تربية اسلامية وربطهم بالخلافة فحين ولى الخلافة عمر ابن عبد العزيز ارسل اليهم مع الوالى الذى عينه بافريقية اسماعيل بن أبى المهاجر عشرة من التابعين ( 25 ) ليفقهوهم فى الدين ) وما زال ] الوالى ] حريص على دعاء البربر الى الاسلام حتى اسلم بقية البربر على يده ) (26 )وذلك سنة 101( 27 ) فنحن نرى اذن ان الدعوة الخارجية سلكت فى انتشارها فى بلاد افريقية والمغرب مسلكين :

1 ) مسلك علمي مثله عكرمة البربري وسلمة الاباضى ومن بعدهما عبد الله ابن مسعود التجيبى المتوفى سنة 126 وعبد الجبار بن قيس المرادى والحارث الحضرمي ثم ابو الخطاب بن عبد الاعلى بن السمح المعافرى الذى تولى امامة الاباضية فى طرابلس سنة 140 ه .

2 ) مسلك دعائى سرى مثله دعاة كانوا ينبثون بين البربر والجنود وقبل ان تظهر دولة بني مدرار سنة 140 كانت ثورات البربر الخارجية تهز ارض فريقية والمغرب هزا مما اتاح لاولئك من بعد ان يكونوا دولتهم فى غير عناء ودون ان يجدوا صعوبة تذكر .

وتؤكد المصادر المختلفة ( 28 ) ان اول ثورة خارجية بربرية بارض المغرب كانت سنة 122 وهي ثورة ميسره المدغرى التى سنخصها ببحث مستقل .

اشترك في نشرتنا البريدية