بمناسبة ما كتبه الاستاذ الفاضل أحمد عبد الغفور عطار فى نقد كتاب " تاريخ مكة " للاستاذ احمد السباعي عن لي أن أراجع كتب علمائنا المتقدمين لاستجلي آراءهم حيال كتب التاريخ وما يعتريها من نقائص واختلال وعدم تمحيص . . قال الامام الطبري في مقدمة تاريخه الكبير : " وما يكن فى كتابى هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه ، من أجل أنه لم يعرف له وجها فى الصحة ولا معنى فى الحقيقة ، فليعلم أنه لم يؤت من قبلنا ، وإنما اتى من بعض ناقليه الينا ، وانما أدينا فى ذلك نحو ما أدى لنا "
وقال ابو معشر فيما يذكره الحافظ السخاوي فى ) الاعلان بالتوبيخ على من ذم التاريخ ( : " التواريخ أكثرها مدحول والفساد يعتريها من أجل أنه يأتي على سنى أمة من الامم وتطول أيامه فاذا نقلوه من كتاب الى كتاب ومن لسان الى لسان يقع فيه الغلط اما بالزيادة فيه أو النقصان منه كالغلط الذى وقع فيما بين آدم ونوح من السنين فان اليهود اختلفوا فى ذلك اختلافا متفاوتا وكذاما وقع فى تواريخ الفرس مع اتصال ملكهم الى أن زال فى تخليط كثير "
وقال الحافظ ابن عبد البرفي ) الانتقاء فى فضائل الائمة الثلاثة الفقهاء ( فى الكلام عن كتب الطبقات : " وقد أكثر الناس فى ذلك بما يرغب عن كثير منه "
وقال محمد بن يوسف سبط ابن الجوزي فى تاريخه : ولما كان الغالب على التواريخ جمع الغث والسمين والواهي والمتين والتكرار الخالى عن الفوائد والفرائد التي يعجز عنها ألف رائد استخرت الله تعالى الخ "
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية فى كتابه ) مشهد الحسين ( فى التفرقة بين المحدثين والمؤرخين : " إنهم - أى المحدثين - يسندون ما ينقلونه عن الثقات أو يرسلونه عمن يكون مرسله مقارب الصحة بخلاف الاخباريين فان كثيرا مما يسندونه عن كذابين او مجهول . . واما ما يرسلونه فظلمات بعضها فوق بعض وهؤلاء - لعمري ممن ينقل عن غيره مسندا أو مرسلا "
وقد بسط شيخ الاسلام الكلام على كتب التاريخ في رده على البكرى وفسر قول الامام احمد بن حنبل : " ثلاثة علوم ليس لها أصول : المغازي والملاحم والتفسير " وفى لفظ : ليس لها اسانيد - فسره بأن معنى ذلك أن الغالب على هذه العلوم الارسال والانقطاع ، وذكر ان أهل العلم يأخذون من ذلك المشهور وعند أهل الفن بخلاف غيره .
وقال التاج ابن السبكى فى طبقات الشافعية الكبرى فى ترجمة أحمد بن صالح المصري : " اهل التاريخ من اناس او رفعوا اناسا اما لتعصب او جهل أو لمجرد اعتماد على نقل من نقل من لايوثق به أو لغير ذلك من الأسباب قال : والجهل فى التاريخ أكثر منه فى أهل الجرح والتعديل وكذلك قل أن رأيت تاريخا خاليا منه "
وقال الحافظ العراقى فى ألفيته فى السيرة :
وليعلم الطالب ان السيرا تجمع ما صح وما قد أنكرا
وقال الحافظ السخاوى فى الاعلان : " المؤرخون كغيرهم فى كلامهم الخمير والعفين ، والسعيد من عدت غلطاته وما اشتدت سقطاته ، فكل الناس سوى ما استدركوا يؤخذ من كلامه ويترك وهي الدنيا لا يكمل فيها شئ ولا يخلو مصنف من نشر وطي ، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " حق على الله أن لا يرفع شيئا الا وضعه " ليس المعنى بوضعه اعدامه واتلافه انما هو نقص فيه
وقال البرهان الحلبى فى سيرته ) انسان العيون ( : " والذي ذهب اليه كثير من أهل العلم الترخيص فى التساهل فى غير ما يتعلق بالحلال والحرام "
وذكر عن الأمام أحمد : " كنا اذا روينا فى الحلال والحرام شددنا واذا روينا فى الفضائل تساهلنا " وذكر ان كتب السير تجمع الصحيح والضعيف والبلاغ والمرسل والمنقطع دون الموضوع "
أقول : إن فى نفيه وجود الموضوع فى كتب السيرة مكابرة للعيان ، و دون تسليم هذا النفي خرط القتاد
وبعد فهذه آراء المتقدمين تدل على عدم التزام أئمة التاريخ الا اداء ما وصل اليهم كما وصل ، غثا أو سمينا ، وعدم براءة أي كتاب تاريخ مما ينتقد ايثارا لمنافعه ولو أخذنا بهذا التضييق والالزام لتركنا كتب التواريخ كلها فانها تحتوي من انواع التساهل على ما لا يخفى على الممارسين ولا ينكره المؤرخون أنفسهم فابن جرير الطبرى يبين لنا فى أول تاريخه أن فيه المستشنع والمنكر ؛ وقد صدق ابن جرير فقد وقع فى تاريخه ما جعل ابن العربى فى " أحكام القرآن " يحذرنا من إسرائيلياته ، وتاريخ ابن خلكان مع دعواه التحرى فى الصحة فى آخر تاريخه " وفيات الاعيان " فقد بين ابن كثير مافيه من التساهل العظيم حيث قال فى ترجمة ابن الراوندى فى الجزء الحادى عشر من " البداية والنهاية " بعد ما بين ابن كثير ما عليه ابن الراوندى وقبحه : " وقد ذكره ابن خلكان فى الوفيات وقلس عليه ولم يجرحه بشئ ولا كأن الكلب أكل له عجبنا على عادته فى العلماء والشعراء ، فالشعراء يطيل تراجمهم والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة ، والزنادقة يترك زندقتهم
ويفيدنا ابن العماد الحنبلي " فى شذرات الذهب " سكوته عن عيوب من عابه من العلماء
وقال الحافظ ابن كثير فى تاريخ ابن خلكان أيضا فى الجزء الثاني عشر من البداية والنهاية فى ترجمة الخضر بن نصر : ترجمه ابن خلكان فى الوفيات وقال : قبره بزار ويتبرك به وقد زرته غير ما مرة ورأيت الناس ينتابون قبره ويتبركون به . . وهذا الذى قاله ابن خلكان مما ينكره اهل العلم عليه وعلى امثاله ممن يعظم القبور ،
ومع هذا النقد العظيم الذي وجهه الحافظ ابن كثير الى تاريخ ابن خلكان أثنى على الكتاب فى ترجمة مؤلفه ووصفه بأنه مفيد وأنه من أبدع المصنفات نظرا للوجهة العامة
وفى تاريخ بغداد للحافظ الخطيب من الاخطاء والأغلاط ما صيره من مظان ضعف الحديث عند المحدثين ، ومع هذا تمنى ابو على الحسن بن أحمد بن عبد الله ابن البناء الحنبلي ان يذكره الخطيب فى هذا التاريخ المشتمل على هذه المجازفة ولو فى جملة الكذابين كما فى الاعلان للسخاوى .
وفى تاريخ ابن خلدون من التساهل والمجازفة ما أدى بالحافظ ابن حجر الى القطع بعدم اطلاعه على حقيقة اخبار البلاد لا سيما أخبار الشرق ، وقد أيد السخاوى قول شيخه الحافظ فى الاعلان بقوله : ) وهو بين لمن نظر فى كلامه (
وأقول : إن ما ذكر عن ابن خلدون بين لمن نظر فى مقدمته حيث يقول فيها : " هو وأنا ذا كر فى كتابي هذا ما أمكننى منه فى هذا القطر المغربى أما صريحا أو مندرجا فى اخباره وتلويحا لاختصاص قصدى فى التأليف بالمغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله دون ماسواه من الاقطار لعدم اطلاعى على أحوال المشرق وأممه وان الاخبار المتناقلة لا توفى كنه ما أريده منه والمسعودى إنما استوفى ذلك لبعد رحلته وتقلبه فى البلاد كما ذكر في كتابه مع أنه لما ذكر المغرب قصر فى استيفاء أحواله وفوق كل ذي علم عليم "
ومع هذا كان تاريخ ابن خلدون مجمعا على قيمته شرقا وغربا .
وفي تاريخ المسعودي من الاباطيل ، ومما يخالف المعقول والمنقول ما بينه ابن خلدون فى " مقدمته " وابن تيمية فى " منهاج السنة "
وفى تاريخ المقريزى ما بينه السخاوى فى إعلانه حيث يقول فيه : ) ولو سودت لك ما وقع لشيخ المؤرخين التقي المقريزى لقضيت العجب ، ولتجنبت لتصانيفه الطلب ( وفى تاريخ المدينة للسمهودى ، ما نقده السخاوى بقوله : ) وفيه ما يحتاج الى تحقيق ونظر ( .
بل وفى أعظم مرجع للسيرة النبوية عندنا وهو ) شفاء ( القاضي عياض من موضوعات الاحاديث والتفاسير الباطلة وخصوصا فى آيات الصفات ما لا يخفى ، وقد بين شيئا من ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية حيث يقول فى رده على البكرى : " وكل عالم بالحديث يعلم أن فى هذا الكتاب : " الشفاء " من الاحاديث والآثار ما ليس له أصل ولا يجوز الاعتماد عليه ، فاذا قال القاضي عياض ذكره فلان فى كتابه فهو الصادق فى خطابه ، واذا لم يذكر من أين نقله لم نتهمه ، ولكن نتهم من فوقه وقد رأيناه ينقل من كتب فيها كذب كثير وهو صادق فى نقله منها لكن ما فوقه لا يجوز الاعتماد عليه "
وذكر ابن تيمية فى محل آخر من هذا الكتاب : ان فى الشفاء تفاسير منكرة . ولو تتبعنا هذا لطال بنا المجال ولكن استفدنا من هذا تساهل المؤرخين فى كتابة التاريخ وان النقد الذي يوجه الى كتب التاريخ يستفاد منه ويحذر من المنتقد انتقادا صحيحا ولكن لا ينفي أهمية الكتاب مطلقا ككتاب تاريخ لا يمكن تجريد جميع الحقائق فيه عن الزيف .
مكة المكرمة
