يقول الدكتور زكى المحاسنى (( النقد كحجر المسن ، يشحذ ولا يقطع )) ويقول الاخ علي خضران - نفس المعنى - فى مقاله المنشور فى المنهل على لسان احمد امين : (( معني النقد هو استعراض القطع الادبية لمعرفة محاسنها ومساوئها )) . والنقد فى اصطلاح الفنيين هو تقدير القطعة الفنية ومعرفة قيمتها ودرجتها فى الفن ، سواء أكانت القطعة أدبا أم تصويرا ، أم نقشا ، أم موسيقى ، والغرض من دراسة النقد الادبى هو معرفة القواعد التى نستطيع بها أن نحكم على القطعة الادبية أجيدة أم رديئة ، فاذا كانت القطعة جيدة أو رديئة ، فما درجتها من الحسن أو القبح ومعرفة الوسائل التى تمكننا من تقديم ما يعرض علينا من الآثار الادبية )) .
وقد طالب الاخ علي خضران بعدم التعرض
لشخصية الاديب ، والاهتمام بالقطعة الادبية واننى هنا أعده باننى سألتزم بذلك .
كما أرجو ان يقوم بعض الاخوة من الأدباء العارفين بنقد القطع الادبية الشعرية منها والنثرية ، فى الاعداد القادمة ، على غرار ما يحصل فى مجلتى الأديب والآداب البيروتيتين ، ولا أعنى مطلقا ، انهما أكثر فائدة أو أفضل من المنهل ، فلكل ميزاتها ، وطابعها ، يجمعها جميعا الادب وحب المعرفة .
نشر فى العدد من القصص أربع ، - كما ورد فى الفهرس - وهى :
البطولة والفداء - للاخ شعبان جبريل عبد العال .
وراء الماضى - للاخ سراج حسين فتحى أم مربية - للاخ عبدالحميد حداد رأس العقل - للاخ فارس بن ذاعر الحربى ولنبدأ بها ترتيبا : -
البطولة والفداء : - القصة من النوع التاريخى ، ولذلك وجب ان يتوافر بها عنصران : - الفنية فى البناء ، والدقة فى سرد الحقائق التاريخية .
وبالنسبة للعنصر الاول ، فان الاستاذ قد وفق الى حد ما ، لولا النبرات الخطابية التى كانت تتخلل العرض ثم التقريرية فى كثير من المواقف والالفاظ الصريحة المباشرة ، أحيانا ، مثل قوله (( اليهود الفجرة ، الصهيونية الآثمة ، الاستعمار الدخيل ، عدو الشعوب ، بل عدو الانسانية )) وهذه الالفاظ يمكن ان ترد فى خطبة أو مقالة ، أو لأفتة فى مظاهرة صاخبة ، ولكنها لا تقال أبدا فى سرد قصة ، بل يستبدل بها ذكر موقف نذل ، ويترك للقارئ حرية تكوين الصورة فى ذهنه .
أما بالنسبة للعنصر الثانى ، الا وهو الدقة ، فان الاستاذ وقع فى كثير من الاخطاء والتناقضات ، وسأذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر : -
- يقول الكاتب واصفا جموع الناس : (( نظراتها شرهة نهمة متقدة يخيل لمن تصوب اليه تلك النظرات انها ستتعب صدره )) وهذا يعنى بلا شك انه قريب منهم ، حتى انه يرى عيونهم ، لكنه فى نفس الوقت والموقف يقول عن هذا الجمهور (( تحمل أشياء فى أيديها ليس بمقدورى أن اتبينها )) وبعد سرد قصير تتبين هذه الأشياء (( انها مسدسات ، وبنادق ورشاشات ، انها قنابل ومفرقعات )) . وفى رأيى ان الانسان يستطيع ان يميز هذه الأشياء قبل أن يميز النظرات . ثم خطأ آخر من هذا النوع ، ذلك عندما يصف الفدائى بانه (( فتى فى الرابعة عشرة من عمره )) وهذا يعنى انه رآه عن قرب وميزه تماما ، لكنه لا يعرف انه ابنه الا بعد جرحه ، ثم يعود للقول : (( وأسير ويطول سيرى ، حتى أبلغ ذلك الفتى المضرج بالدماء )) . ثم يغمى عليه وسط المعركة ويفلق دون ان يوقظه أحد . .
ولا أرى تفسيرا ابدا للمقاتل الحديث الذي يحمل رشاشا ، كيف يستطيع أن يرى الناس الذين يقتلهم يتساقطون كهشيم تذرفه الرياح .
الرشاشات والقنابل كانت محرمة على شعب فلسطين . . حتى المدى ولا شك انه فلسطينى ويعرف هذا . . ولو كان هذا المقدار الضخم الذى ذكره الاستاذ بأيدى شعب فلسطين ، فاننى أؤكد له ان فلسطين ما ضاعت . واذا كان الاستاذ يريد أن يذكر شجاعة شعب فلسطين ، من خلال هذه
الصورة الهائلة ، التى رسمها لنا ، فان لم يوفق في رسم الصورة .
ولقد حدثنى والدى ، ان كل أسرتنا فى (( الفالوجة )) جمعوا ما معهم من نقود حتى استطاعوا ان يشتروا بندقية المانية بخمسة وسبعين دينارا ثم دفنوها فى التراب ، حتى لا تعلم بها حكومة الانتداب فتسجنهم .
أما الاستاذ عبدالعال فانه يصر على وجود السلاح بالكثرة التى وصف . فما ان ينادى (( سلاح ، سلاح )) حتى يجاب رأسا إلى طلبه : (( تفضل يا اخى ها هو السلاح . . وأمسكت بالمدفع الرشاش )) . . ولو كان الشهيد عبد القادر الحسينى موجودا لأخبرك ما الذي حصل معه فى احدى العواصم العربية عندما ذهب ليحضر مائة بندقية كندية أى قديمة كتب على عقبها - ١٩١٠ -
- ورود كلمة فدائى ليست فى محلها ، تاريخيا وعمليا .
تاريخيا ، فان صرفند العمار سقطت فى نكبة ١٩٤٨ م
وعمليا فان المفهوم الذى نعرفه الآن ، غيره الذى أورده الاستاذ .
- خطأ حربى وقع به الكاتب أشعرنا تماما بأنه لم يشهد معركة ولا حتى على شاشة التلفزيون ، فهو يقول (( وعلى كتفه تلمع تيجان ونجوم ، لست اتبين الآن تماما عددها . . اذ ان سناها الوهاج يكاد يخطف الابصار )) . والمعروف ان التيجان والنجوم لا توضع اثناء المعارك الحربية الفاصلة كما ذكر الاستاذ ، او غير الفاصلة وتستبدل أحيانا بقطع من القماش .
ومن هنا جاءت أهمية (( التجربة المعيشة )) أو على الاقل الاخذ من مصدر موثوق ، ثم تحكيم العقل .
- سقطت صرفند العمار ، وبترت ساقه . . هذه النهاية . . كيف كانت ، وسط الجو المشحون والمحاصرة التى وصفها حول نفسه ؟ لست أردى .
وراء الماضي : أسجل هنا حقيقة ، ذلك ان الاخ حسين فتحى سراج قد تقدم كثيرا فى قصته هذه ، عن قصة كنت قد قرأتها له فى عدد سابق من المنهل تحت عنوان (( قصة الكنوز )) .
فالبناء الفنى مكتمل ، لولا الافتقار قليلا الى عنصر التشويق .
وقد أظهر براعة فى الحوار ، الذى كان منطقيا الى حد كبير .
والموضوع مناسب ، وعلمى ، كما اثبت كبار علماء النفس .
ولفتة اخرى كانت جميلة منه ظهرت فى هذا الحوار : -
- أوه يا عم سعيد ، لا بد انك تتمنى ثروة كبيرة . . اليس كذلك ؟
- أعوذ بالله ، وهل تعتقد ان الغنى هو الطريق الى السعادة ؟
- أبدا يا عم ولكن هكذا فى نظر الناس .
. يعنى هذا أن تستسلم لنظرة هؤلاء الناس . . لا . . لا يا بنى فنحن بنى الانسان لنا عقول تفكر ، ولكل منا تفكيره وآراؤه .
ولقد وفق فى اختياره للبطل ، كما وفق فى رسم شخصيته الواقعية : البساطة ، والصراحة . . مما أضفى على القصة جوا من الايناس .
والقصة أخيرا تنبئ بأن كاتبها يتمتع
بموهبة ، وثقافة ، لكنه بحاجة إلى المران والممارسة .
ام مربية : - القصة من النوع الذي يطلق عليه النقاد (( القصة الطويلة الملخصة )) أى لا تتوافر فيه شروط القصة القصيرة ، ولا شروط القصة الطويلة . ومن هنا ، فان البناء الفني ضعيف . واننى ارجو من الاخ ان يطلع على كل ما يمت للقصة ، قبل أن يقدم على الكتابة ، فالقصة فن لا يستطيع كل فرد أن يطرق بابه .
أما بالنسبة للموضوع فانه هادف بلا شك ، لكن الفراغات الكثيرة التى تخللت السرد قللت من الفائدة .
واننى بعد قراءتى لهذه القصة ، ولقصة قبلها - اذا جاز لى ان اسميها قصة حسب المفهوم المتعارف عليه - فاننى أنصح الاخ الذي يملك موهبة لا بأس بها ولغة تساعده على الكتابة بان يطالع بعض الكتب التى تبحث فى مبنى القصة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر اذكر كتابين :
فن القصة للدكتور محمد يوسف نجم - ويكلوجية القصة الحديثة ترجمة الدكتور محمد السمرا .
رأس العقل : - هذه ايضا لا نستطيع اطلاق اسم القصة عليها من ناحية فنية ، ويمكننا ان نطلق عليها تجاوزا (( حدوثة )) على رأى اخواننا الدمشقيين ، على ان (( الحدوثة )) مسلية وهادفة . لكننى أنصح الاخ بالمطالعة ، والمطالعة المستمرة . . ولن أزيد .
الرياض

