بين يدي كتاب يحمل هذا العنوان للكاتب اللبنانى الشهير ( كرم ملح كرم ) . . والاستاذ كرم غني عن التعريف . . يعرفه العدد الأوفر من كتاب الفصحــــــــــــــى وقرائها . . فهو من ألمع كتاب القصة العربية في عصرنا الحاضر . . وهو معروف بغزارة الانتاج ووفرة المحصول ، ولقد أبدع في كتابه ( الضفاف الحمر ) فى تصوير المعالـــم التى كانت عليها مملكة آشور فى غابر الأحقاب وأغوار العصور فى عهد الملك ( ثياس ) الآشورى ، كما يصور جزالة البذخ ووفير الثراء الذى كانت ترتع فيه مملكة ( جبيل ) او مملكة ( بيبلوس ) وما كانت تنعم به ( فينيقيا ) بأسرها من بحبوحة ورغد ويسار . .
الكتاب يقع فيما ينيف عن ستين بعد مئات ثلاث من الصفحات . . وكنت والحق يقال مدفوعا الى قراءته بشغف ونهم وكلف دون أن يعترينى ملل أو ينتابنى ضجر . .
والكتاب مشوق بلا ريب . . ناصع اللفظ . . جلى الكلم . . بليغ العبارة ، غير أني آخذ على الاستاذ كرم هذه الاباحية المفرطة التى تورط فيها وأطلق لها العنان دون وازع أو رادع . . على لسان ( فيروز ) الأعجمية أمة قياس عاهل آشور . . فلقد سرد الاستاذ كرم ما يربو على المائة صفحة من الحوار بين صوت العقل والضمير وبين الاباحية الداعرة الملطخة بالفسق والعهر والفجور وتزيين حب الشهوات والمستمدة من شريعة ( هورامزدا ) اله الفرس المزعوم .
فمرة ابنة الملك ( ثياس ) الآشورى عاشقة ولهى . . برح بها الجوى ، فباتت فى مستطير الوله والوجد والهيام . . بيد أن عشقها من نوع غريب شاذ يثير السخط والاشمئزاز ، بل هو حب آثم فاجر بكل ما فى الكلمة من معنى . . ولم تكن مرة لتطمع فى الوصال . . فحبها ميـئوس منه . . مفرط فى الاستحالة . . لذا فقد دفعها ظمأ الصبوة الى القنوط . . وتنحى بها القنوط الى طلب الموت بأية وسيلة . . فعمدت الى الانتحار . . لكن أمتها ( فيروز ) ابنة فارس تنقذها من براثن المنون فى اللحظة الاخيرة . . وما تزال تستدرجها فى البوح عن المكنون . . واماطة اللثام عن دواعى الغبن . . حتى تتمكن من الوقوف على سرها
الرهيب . . نعم سرها الرهيب الحافل بالفظاعة والنكر . . فمره أيها السادة عاشقة لأبيها ! . . وانها لتقدر أى هول تحمله بين جوانحها حينما تجنح الى هذا التفكير الشاذ الذي تهتز له شرعة السماء ، ويتداعى لفظاعته الكون بما فيه ومن فيه . . لكن العجوز الشمطاء والحية الرقطاء فيروز . . تهون عليها الامر . . وتيسر لها السبيل . . الى اجتياز هذه العقبة الكؤود بسلام وأمان . . فهذا الرزء الفادح ، وذاك الخطب الجلل ، امران يسيران لا يستعصى حلهما ولا يحتاج هذا الحل الى كبير عناء من هذه الجارية المشؤومة المستبيحة الحرمات . . المتهتكة الأستار ! . .
وهنا فى نظرى تقع مسؤولية المؤلف . . فالاستاذ كرم عمد الى الاطالة والاسهاب في تزيين حب الشهوات على لسان فيروز ، فمره ابنة عاهل آشور غير مقتنعة بشرعية هذا الحب وتخشى سوء المغبة ان هى تمادت فيه . . بل وترقب فداحة التبعة ووخيم العقبى ان هى تجرات على الخوض فى اغواره . .
وتعال بنا ايها القارىء نسمع بعض ما تنفث لها فيروز من سموم . قالت الفارسية النزعة :
(( وحق الأرباب . . ليس ( هورامزدا ) غير نفحة الهية يا مولاتى ، فهو ما استقر بدنيانا لسوى التبشير بروائع السماء !!. والسماء تدين بالحب ولا ترضى عنه محيدا . . فالحب فى كل مكان يا مولاتى . . وما العالم بكل ما فيه غير عباب من كلف ووجد ، رأين تبدو المسرة ان لم يكن حب وعشق ، فالذرارى تنقرض ان لم يؤلف
بينها الحب البليل ، وهو رامزدا ، لم يكن على ضلال وقد أباح للذة بلوغ أمدها ، فنظر فى حاجات الجسد وقضاها !! ، وما يبعث على الحشمة المصنوعة يا ابنة ملك آشور وهى تكبح مباهج النفس وتقهر نزوات اللحم والدم ، ليثب الناس الى المتعة لا يبعدهم عنها حائل . . فالحوائل من اختراع الانسان لا من شرعة السماء )) ! .
وعشرات الصفحات حفلت بمثل هذا التغرير بل وبأقبح منه تهيب بالفتاة بمضاجعة أبيها ! بل وتلحف فى اللجاجة الى الاستكانة الى العواطف الجامحة مهما يبلغ بها الشذوذ .
تقول فيروز أيضا :
(( ما الناس فى الكون سوى طلاب رخاء وأنس يا مولاتى . . فما تهادوا الى الحياة كى يشيحوا عن مواردها ، بل كى يتلذذوا بأفاويقها ! والأفاويق ليست فى ادعاء العفة . . بل فى الانغماس فى الموانع حتى أعمق أعماقها ! ، اطربى وبادرى الى رشف الراح حتى الثمالة فلن يبقى فى جوف الخابية عصير لفرط ازدحام الظامنين ! )) .
ارايتم الى هذه الاباحية النكراء التى انساق اليها المؤلف وتورط فيها ؟ . . فلقد فات الاستاذ ملح كرم انه جنح الى التبشير بمبدأ ( هورامزدا ) من حيث لا يدرى . . وذلك لدى بعض القراء المراهقين السذج الذين تستهويهم الاباحية ويجدون لها فى نفوسهم المريضة مستساغا !
والغريب فى الامر أن الباطل المرضوض البنيان المتداعى الأركان يستأسد ويتنمر ويلبس ثوب الحق بعدما يدك صرحه ويقوض
سلطانه فيتم للفتاة الرعناء الاتصال الجنسى مع أبيها فى مدلهم الديجور وعلى غير علم من أبيها المخدوع ( ثياس ) باسم ضجيعته ولا بسماتها ! . . وذلك بتدبير من فيروز الأعجمية التى أوعزت اليه بذلك فجعلته كمن يأكل لحمه ! ثم ينكشف الستار ويهتك القناع وينجلى الابهام عن الهول العظيم حينما يكتشف الأب المخدوع أن ضجيعته انما هى ابنته الوحيدة ( مره ) فتجيش فى نفسه فورة عارمة من السخط والغضب وتتملكه وحشية طاغية ورغبة جامحة فى أن يولغ فى الدم . . ويخضب يديه بالنجيع انتقاما لكرامته المهدورة وشرفه الممتهن وانفته المثلومة وعرضه المدنس المستباح ! . . فينقض كهصور استبيح عرينه وهزبر أحيط بمعقله واغتصب ملاذه . . على ابنته الفاسقة الوالغة فى الدنس . . المنغمسة فى بؤرة الفجور . .
وهنا يتمثل الفداء كأعنف ما يكون . . وتبرز التضحية فى مستطير العنفوان . . لدن تتقدم الجارية فيروز وقد ايقنت بخيبة المسعى وخفوق الأحابيل . . فتعمد الى النور فتطفئه وتيسر لها سبيل الفكاك من براثن المنون! . . بينما تقدم نفسها لتكون كبش الفداء لمولاتها ( هره ) فيطبق الملك ثياس فى حالك الديجور بكلتا يديه على جيدها الأعجف ويستل منها الأنفاس ويمتد دمها فى بربرية نكراء . . بينما تمعن ( مره ) الآثمة فى الفرار . . فتطوى الفدافد وتجوز المفاوز حتى تبلغ واحة كثيفة الاشجار متشابهكة الأغصان فتخور مكنتها فتعمد الى الواحة الظليلة تحتمي بأفيائها من قيظ الهاجرة . . وهناك تستطيب العيش وتخلد
الى الدعة . . وتشاطر الجآذر والظباء حياتها الحرة الطليقة من كل غل أو صفد ، وقد فاتنى أن أذكر انها ما بارحت أرض آشور الا وقد تحرك فى أحشائها جنين ! فما ان بلغت عدة الحمل فى هذه الواحة الوارفة الظلال حتى جاءها المخاض وما لبث أن ظهر الى النور غلام أوتي من حظوظ الموامـــــــــــــــة والقسامة الشئ الكثير . .
وتمضى القصة فى خطو رتيب . . ويشاء المؤلف أن يخرج هذه الوادعة وطفلها من هذه الجنة الرطيبة وهذا الموائل الحصين اللذين لاذت بهما من الغوائل والعوادى . . فتحمل نمرة العهر على كاهلها وتضرب فى فسيح الفلاة وفي برحاء المفازة على غير هدى علها تبلغ صقعا لا يعرفها فيه أحد ، وما تزال سالكة هذه القفراء الموحشة المحفوفة بالمخاطر حتى تضمحل فتوتها وتتلاشى عزيمتها وينفد زادها من طعام وشراب . . كما يفرغ ضرعها مما كان يحفل به من قوت الغلام . .
وهنا يطالعنا موقف خليق بالتأمل . . هنا تتجلى الامومة فى أوج حنانها . . فهذه الام التعسة المنكودة وقد أيقنت بدنو الاجل وقرب المنون . . عز عليها أن يشاطرها فلذة كبدها هذه الميتة الوخيمة فشاءت أن تمد فى عمره فيما تظن بما تبقى لديها من ماء الحياة . . وهكذا وخزت ثديها فطفر منه الدم فقدمته الى حشاشة قلبها ليمتصه عوضا عن لبنه الذى نضب . .
وتلفظ الأم آخر أنفاسها . . ويرشف الطفل آخر قطرة من دمها الحي . . ثم يحبو الى شجرة من المر تجاوره فيمتص صمغها . وفيما هو فى ذلك اذ يتهادى الى تلك
القفراء موكب عظيم من فاتنات ( جبيل ) وغيدها الحسان وعلى رأسهن ملكة الاناقة والمواهة ( عشتروت ) ابنة مستشار المملكة . . وحاملة لواء الوسامة والقسامة والجمال ( بروزربين ) ابنة القاضى ( جوبيتر ) قاضى جبيل . . اللتان ما أن وقعت بواصرهما على الغلام اللدن الحلو الاهاب حتى ترجلتا والتقطته كل منهما فى لهفة كأنهما عثرتا على كنز ثمين ! ، واتفقتا على أن تكون لبروزربين حق الحضانة والتربية فى الوقت الذي تمدها فيه ( عشتروت ) برفدها وبما تتطلبه الحضانة من نفقات ، وهكذا ينشأ الطفل فى عصمة ( بروزربين ) التى دعيت لفرط عنايتها به وحدبها عليه بــــــ ( الأم العذراء ) ! . وما أن يبلغ الثانية عشرة حتى يبلغ أعلى مراتب الجمال . . وهنا يصور الكاتب حب الاثرة عند النساء . . وهنا يقوم الصراع العنيف بين الغادتين ( عشتروت ) و ( بروزربين ) تحاول كل منهما أن تستأثر بالفتى الغض الاهاب : ( أدونيس ) ويبلغ السادسة عشرة فتستفحل الخصومة بينهما ويستشرى الشجار . . فقد أصدر رئيس قضاة جبيل حكما بينهما يقضى بأن يقيم ( ادونيس ) عند كل منهما أربعة أشهر من كل عام ، وأن يكون له مطلق الحرية فى أن يقيم أينما شاء فى الاشهر المتبقية من كل عام . .
وهنا يجدر بنا ان نقف قليلا ايها القارىء الكريم لننامل هذه الهنات المؤسسفة التى عاد اليها الاستاذ كرم للمرة الثانية . . لقد عاد الكاتب الى اثارة الغريزة الجنسية من جديد واطلاق العنان لاستهوائها وجوحها . . فما ان يقيم ( أدونيس ) عند احداهما حتى تأخذ فى مراودته عن نفسه فى لجاجة والحاف بأسلوب مثير يسيل له لعاب القارئ
الساذج رغبة واشتهاء ، ويرفض ( أدونيس ) الاذعان باصرار وعناد الى هذه النزوات النزقة . . بل ينظر الى هذه الشهوات الجامحة المتعطشة اللهبى . . بمستطير الزراية وبالغ الاجتواء ! . .
وهنا تعرض لنا مسألة لا يستسيغها الفهم ولا يهضمها الوعى ولا تنطلى على العقل . . فمنذ بلغ ( ادونيس ) الثانية عشرة حتى جاوز السادسة عشرة والغادتان ( عشتروت ) و ( بروزربين ) تتناوبان التغرير به ومراودته عن نفسه بكل ما أوتيتا من أساليب ووسائل وهو يمانع ويتأبى ويأنف . . فهل يعقل أن تراود فتاتان من اجمل ما حوت فينيقيا على فسيح امتدادها فتى لطيما حدثا ولمدة أربعة أعوام فلا يخنع أو يستجيب ؟ ٠٠
ويستأنف الكاتب سرد قصته فيصور لنا صراع الحسناوين وقد بلغ أمده يصل الى مرحلة الفوز والهزيمة فتفوز ( عشتروت ) فى هذا الصراع العنيف على منافستها ( بروزربين ) بما لها من نفوذ وحظوة عند عاهل جبيل فتستصدر أمرا بنفيها عن مملكة ( بيبلوس ) كلها ، وتظن بعد ذلك أن الجو قد صفا لها بزوال العقبة الكأداء التى تقف حائلا بين صبوتها المتقدة اللظى وبين هذا الفتى اللقيط الحرون ( أدونيس ) .
ويعود الاستاذ كرم فيتفنن فى عرض ضروب من الاثارة والتغرير بالفتى ( أدونيس ) على لسان بطلته ( عشتروت ) أو زهرة فينيقيا المعطار كما أطلق عليها . . لكن المراهق يصر على الاباء وعلى الرهبانية! .
وهنا نسترعى انتباهنا نقطة اخرى . فلقد صور لنا الكاتب أن ( عشتروت )
معشوقة عاهل ( بيبلوس ) لكن هذا العاشق مبق على عفة معشوقته حافظ لعذريتها وعلى مدى سنوات . . فلماذا يا ترى ؟ . . فهو صاحب السلطان والصولجان فى تلك البقاع فما يحول بينه وبينها ؟
ومن جهة أخرى يقول الكاتب بأن مملكة جبيل كلها قد علمت بهيام الزهرة وولهها بأدونيس كما بات مفهوما أنها تراوده عن نفسه . . بل لقد ترامت أنباء هذا الحب وهذا التدله إلى سائر دول فينيقيا . . اذ ان عشتروت لا تتحرز من الجهر بهذا الحب أمام سمع وبصر الخاصة والعامة . . فيا ترى كيف يخفى هذا الامر الجلى الذى لم يعد سرا على القابض على نواصى الاوامر والنواهى فى بيبلوس والمتربع فوق عرش ( جبيل ) ؟ واذا كان قد بلغ وعيه هذا الخبر ولا بد أن يكون كذلك . . فكيف يعقل أن ترضى أنفته عن منافسة ذاك اللطيم اللقيط له فى زهرته الندية . . وكيف يرضى أن يعبق فوحها فى أنف غيره . . ويشنف شدوها أذني سواه ؟ ! .
أما وقد بلغنا من القصة هذا المبلغ . . فدعونا ننظر الى الوراء فى تأمل وتفكر ، لقد كنا فى ( نينوى ) عاصمة مملكة آشور ، فأضحينا فى ( جبيل ) أحد أمصار فينيقيا ، وليس من رابطة تحبك عرى القصة بين البلدين وتوثقها سوى هذا الـــــ ( أدونيس ) اللقيط . . فلقد بلغت نهاية القصة فلم أجد ثمة نأمة توحى بترابط وثيق بين المرحلتين اللتين اجتازهما اللطيم مذ كان جنينا على ضفاف دجلة فشواطئ الفرات الى أن بلغ موانىء الفينيقيين وضفوف نهر بيبلوس وليــــــــدا .
فعاهل آشور ألفيناه يعترف بالرزيئة أمام الملكة ( كولشيريس ) عند احتضاره ويقر بأنه وطئ ابنته وسلب عفافها فى الحالكات الدوامس دون أن يتبين شخصيتها ويطلب من زوجته الملكة فى ضراعة العفو عنه وعن ابنته ( مره ) . . فالاعتراف وطلب العفو ينزع بالقارئ الى احتمال عودة ( مره ) وولدها الى العاصمة ( نينوى ) . . وما دامت قد ماتت ( مره ) فلا أقل من عودة نجلها ( أدونيس ) أو محاولة عودته ليكتمل للقصة ترابطها والا فما جدوى الاقرار والاعتراف وطلب الصفح والغفران . . فكل ما هنالك أن تاجرا من تجار ( نينوى ) أقبل فى تجارة فعرف ( ادونيس ) مما نمت عنه ( الأسارير ) وأفصحت عنه الملامح فراح يقص على أهل جبيل قصته وتناقلت قصته الألسن ورددتها الأفواه وسمع أدونيس نفسه بما أرهصوا . . ولم يزد الكاتب عن ذلك شيئا . .
اذن لقد انعدم الترابط واختل الحبك . . وكان الاستاذ كرم ابتغي أن ينسج قصتين فى ثوب قصة واحدة . . وما درى ان النسيج كان واهى الخيوط مفصوم الوشيجة !.
ويختتم الكاتب قصته بمصرع ( ادونيس ) الذى لاقى حتفه عندما داهمه خنزير متوحش لدن كان يقوم بعملية اقتناص فى غور الأدغال . . فيبلغ الحزن بعشتروت منتهى أمره . . وتتبوأ بها الكلوم غاية منتهاها . . وتتملكها سورة من الغضب عارمة . . وتستبد بها فورة من الحنق ناقمة ويستحوذ عليها اليأس الزنيم والقنوط الأثيم . . فتنهج هذه المفؤودة سبيلا دنسا غاية فى الفظاعة والنكر تعبيرا عن هول المأساة وفداحة الغاشية . .
هى طريقة شاذة ابتدعها خيال الكاتب الخصيب بيد أنها لا تنطلى على العقل ولا يستسيغها الفهم أو يتقبلها الادراك . . فقد أتت بجمع غفير من الغيد الأبكار والفاتنات الحسان . . وبجمع يساويه عددا من الرجال . . وأمرت بالباب فأغلق . . وبالنوفذ فأوصدت . . وبالنور فأطفئ . . وبالبكارة فأزيلت . . وبالعفة فدنست . . وبالحرمات فأهتكت . . وسلمت نفسها عن طواعية يائسة لأول من قابلها فى دامس الديجور فاستباح عذابها ! . .
وحذت حذوها جل صفاياها وخديناتها وقريناتها . . فهتك الأستار . . وديست الكرامات . . وتصوروا مع أيها السادة مقدار هذه السطوة الجامحة والنفوذ العظيم والدكتاتورية المطلقة التى منحها الكاتب لــــ ( عشتروت ) . . ولست أرى أن لها من الصفات الدستورية أو غير الدستورية ما يجعلها خليقة لان تملك كل هذا النفوذ . . بحيث تصبح ذات مقام رفيع وبطش شديد . . فهى كما يقول الكاتب ابنة مستشار الدولة . . وهل مستشار الدولة على مر العصور وتعاقب الأجيال الا مجرد موظف لا حول له ولا طول غير النزر اليسير ولا امر له ولا نهي الا بمقدار شحيح . . ففى مستهل حديث القصاص الأستاذ كرم عن ( بروزربين ) التى فرت بصحبة ( أدونيس ) فى بادئ الامر . . جعل ( عشتروت ) تأمر الجنود بالبحث عن الفارين . . فينصاعوا لها طوعا . . ويرتعشوا منها فرقا ! . . فينقبوا البقاع ويقلبوا الأصقاع . . ثم هى لم تكتف باصدار الامر . . بل ترشقهم بلاذع الشتائم والسباب . . وتستمطر عليهم قبيح اللعنات . . فيتقبلوا ذلك منها فى عبودية ورق . . وكأنها قائد عام فى
معركة حربية . . بل كأنها جاوزت هذا المنصب بكثير فسمت الى سامق الدرجات وتصدرت ذروة المراتب . . ثم هى كما قدمنا . . لها مطلق الحرية بالابقاء على بكارات فاتنات جبيل وغيدها . . أو سلب عفافهن وسفح عذارهن متى تشاء وكيفما تشاء ! ! فمن أين استمدت هذا النفوذ العظيم وتلك الدكتاتورية المتعسفة المطلقة ؟ !
فمنصب أبيها لا يمكن أن يكون لها درعا واقيا يعصمها من النقد أو يدرأ عنها السخط ، ولا يمكن أن يعطيها مثل هذه الصلاحيات الواسعة التى جاوزت بها ما أباح لنفسه شهريار وتيمورلنك وجنكيز خان!! .
اذن نفوذها غير مستمد من نفوذ أبيها بحال . . قد يقول قائل أن نفوذها مستمد من نفوذ عامل ( جبيل ) فهى معشوقته وذات حظوة كبرى لديه . . وحتى نفوذها المستمد من صاحب العرش لنا فيه رأي . . فلقد قدمنا أن حبها لأدونيس وتهالكها عليه ومراودتها له غير متحرز ولا محاط بقناع واق من السرية والكتمان . . بل هو مهتوك القناع مماط اللثام . . ومعنى ذلك ان ( عاهل بيبلوس ) مطلع عليه عالم به !. ومعنى ذلك أيضا أنه قد خلعها من قائمة الحظيات ونزع اسمها من سجل المعشوقات ، واذن فقد فقدت تماما هذا النفوذ . . والا لأسلمت فيادها اليه بعد موت أدونيس على الأقل لتكون زوجة له . . فذلك خير ألف مرة من أن تسلم عفافها لأول من يقابلها فى حالك المدلهمات فيطمئه !.
كما قد فات الكاتب أن يصور الصدى الذي أحدثه مصرع ( أدونيس ) لدى
حاضنته . . ( بروزربين ) الطامعة فيه هى الأخرى والمنفية فى المملكة المجاورة لجبيل . فهى لا يمكن أن تستقر في منفاها قانعة به راضية عنه فى استكانة وخنوع وهى التى تربى الغلام اللقيط فى كنفها زهاء اثنتى عشرة سنة . . فلا بد أن تقف على أمره وتستشف خبره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . . وما دام الامر كذلك فالقارىء حائر لتجاهل الكاتب ( بروزربين ) . . نعم ، القارىء فى العادة يشاطر فى احساسه وشعوره من يعتقد أنه مظلوم مغبون فيف فى صفه بوجدانه حتى نهاية القصة . . ولهذا فقد تركه الكاتب حائرا متسائلا : وبروزربين ما مصيرها ؟ . . أما علمت بالفاجعة ؟ . . لا . . لا بد أن تعلم . .
اذن . . القصة في نظر القارىء ناقصة غير مكتملة . .
على أن موقفى من المؤلف فى كتابه المشار اليه يجب أن يتسم بموقف الناقد المنصف ،
فليس كل ما جاء فى الكتاب يدينه ويصمه . . وليس معنى وجود المثالب التى أشرنا اليها فى سياق حديثنا . . ان الكتاب قد خلا من المناقب . . ففيه من ضروب البلاغة وصنوف البيان ما يخفق فى نعته التبيان . . وانه والحق يقال يقوي فى الطالب ملكة الانشاء بما احتواه من مترادفات يجل عنها الحصر ومن فصاحة نادرة فى هذا العصر . . كما انه قوي الأسلوب فى الوصف . . مبدع فى التمهيد والرصف . . مشوق . . مرغب . . مغرر . . يستدرج القارئ فى متاهات حالمة ينسى فيها نفسه ويغفل عن روحه ويود لو عاش فيها حقبة من الدهر ! .
ولو خلا الكتاب مما ذكرت من المثالب . . لكان كله مناقب تضاف الى مناقب مؤلفه العديدة ومزاياه الكثيرة الوفيرة .
الطائف - مدرسة الاشارة

