الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

. نكسة الشعر فى سوريا، لمراسل الأداب بدمشق محيى الدين صبحى

Share

يمر الشعر فى الاقليم الشمالي بازمة بدا من علائمها قلة الانتاج وانعدام الاتجاه وضعف المستوى فى الشعر الذى يصدر عن شعرائنا . لقد اعتمدنا فترة طويلة على كلاسيكيات بدوى الجبل وابداعيات ابو ريشة وجماليات

نزار قبانى ورومانسيات نديم محمد ، وصدرنا - عن طريق التجهيز - جيلا آخر من الشعراء الشبان الذين اخذوا باكتشاف ذرى وبناء مجد ، ثم تلقينا فلم نجد الا المقرزمين . . والمخلفين والمقلدين والناشئين الذين لم يشقوا اخدودا في دروب الكلمة وبعض الموهوبين الذين يرسمون تلاوين فجر جديد وقد يستطيع المرء ان يفسر هذا الصمت بانه تاهب وتخمر ، بعده سوف يطلع الى الدنيا الشعر والشاعر ، لكن ما يجعل النبؤة تجنح الى التشاؤم هو ما نرى من عزلة عن الحياة فى العالم ، وعن الثقافة الانسانية شرقية او غربية ، وبعد شاسع بين القارىء والانتاج المعاصر فى العالم المتحضر ، يضاف الى ذلك انخفاض المستوى التعليمى والثقافى عند الجيل الصاعد . . واخيرا اصطباغ الحياة بنوع من الهدوء السامان واللامبالاة العابثة وانحراف الشبان نحو تأمين الحاجات المعايشة للحياة اليومية وتقديسهم للذة العاجلة والمنفعة العابرة مما يصدهم عن التامل الطويل والتفكير العميق ، وهذا كله يضعف العزيمة ويثبط الهمة فيفقد الشاعر حمماستة وايمانه وبالتالى تزول المغامرة التى هى جوهر الشعر ..

ان ركود الحياة الروحية قابلة لنشاط مادى وفاعليات جسدية ، كما ان فقدان المعنى لحياة الجيل يتوازن مع ازدياد الاهتمام بالتفاهات كالاناقة وحب الظهور وكثرة المنتديات الاجتماعية . . وفى غمار كل ذلك ضاع الشعر والادب والرسالة والايمان . . بقى لدينا الرجال الجوف وعيدان القصب وموجة من الشعر الموزون والمنثور يتحسر قارئها على ثمن الورق والحبر الذى تصرفه الجرائد والمجلات ودور النثر . .

والخطر فى هذه الحياة ان يضيع هدير الزمان عن اذن الشاعر ، فيصبح احد اثنين : شاعرا لفظيا مجوفا او شاعرا ستاتيكيا . واذا كان الاول مكشوفا لدى القراء ببريق حروفه وفراغ مضامينها ، فان الشاعر الثانى اشد خطرا وأبعد مكرا لانه يستطيع ان يخدع الكثيرين بما يستند اليه من تراث طويل لكنه بعيد عن روح العصر . لقد بنيت حضارة القرون الوسطى - الاسلامية والمسيحية - على فكرة ثبات العالم - وهى النظرة التى قال بها ارسطو ، اما العصر الحديث فقد الغي هذه الفكرة واثبت ان العالم متحرك : بدأ بالتاكيد على دوران الارض ، وانتهى - حتى الان - باكتشاف حركة النوبات داخل الذرة . . لا شئ ساكن فى هذا العالم انه متحرك . وهدير الحياة يصل الى مسامع الناس ، وحساسية الشعراء تتفاوت فى الانصات الى هذا الهدير . . وكلما استطاع الشاعر ان ينقل اصواتا اكثر وتماوجا ادق ، كان شاعرا كبيرا وانسانا عظيما . . لانه بذلك يستطيع ان يجمع بين الدائم والعابر فى لمحة . انه يعرض الانسان والزمان مرة واحدة فيقدم لنا مشاعره

وازمة عصره فى وقت واحد ضمن تجسيد انسانى وشكل فنى عضوى . . ويبدو ان ليس لدينا شاعر يعرف ماساتنا فى عصرنا هذا . . لان اكثر شعرائنا معزولون عن تاريخنا ، اما المرتبطون به فانهم يرتبطون بالحوادث والظواهر دون ان ينفذوا الى باطن الحوادث وجوهر التاريخ

ن الخطر الاول للفهم الستاتيكى هو الانعزال عن الحياة المعاصرة . . اما لخطر الثاني فهو التجزئية اذ الذى يرى العالم ثابتا يستطيع ان يعزل بعضه عن بعضه الاخر ويفضل ويفصل منه لوحات خرساء صامتة ويقدم النفس الانسانية على قطاعات متبادلة فيعزل الحالة النفسية الموقتة عن محرى الحياة الشعورية العامة بماضيها وحاضرها والمستقبل ، كما انه يعزل الحالة الجمالية عن الانطباع الشعورى ، ويخلص التجربة من اطار الزمن فياتي الشعر عائما متفككا . . بعكس الشاعر المطل على العالم المعاصر الغارق في دوامة الحياة المتسارعة . فانه يرى العناصر متكاثفة ويقدمها من خلال تلاصقها واثناء دورانها فى دوامة الزمن الهارب . .

ان الخطر الذى يتهدد الشعر فى الاقليم الشمالى هو خطر الستاتيكية التى تؤدى الى التجزىء والبعد عن الحياة المعاصرة ، اما خطر اللفظية فانه يزول مع الزمن لانه يحتاج الى اطلاع واسع على غنائيات الشعر العربى والى معرفة مفردات كثيرة ، وهذا الاهتمام بدا يقل في نفوس الناس حتى كاد ينعم . . لقد تعاون فى الخمسة الاعوام الماضية جيل من الشعراء والنقاد في انحاء العال العربى على قلع اللفظة من جذورها الثابتة والقوها تحت رياح الزمان وغمسوها فى جروح تاريخنا وماسى حياتنا حتى أصبحت بعض القصائد تحمل نكهة عمرنا . . ومن المؤسف ان يتطلع الشاعر الناشىء حوله فلا يجد الا النماذج المهترئة والتعبيرات المكرورة المتبذلة فاما ان يطوى ضلوعه على ما يجيش فى نفسه ، واما ان يتكلم فيخطئ التعبير .

ومع كل ذلك ما زال فى المصباح زيت . . ان فى الجامعة عددا من الشعراء بدوا بدايات طيبة وما علينا الا ان نعمل كثيرا حتى نيسر لهم سبل الاتصال بالتجارب الشعرية العربية وبخاصة فى لبنان والعراق . . ومن الضرورى ان تفتح نوافذنا لرياح الغرب ونكثر من الترجمات الشعرية والنقدية لئلا يصاب الشعر عندنا بنكسة تعيده الى عهد جبران وعلى محمود طه المهندس . وفى احسن الاحوال يصبح الشعر الجديد اجترارا للقبانى وسعيد عقل بدلا من ان يتجاوزهما . ومن ينظر في الشعر المنشور فى جرائدنا المحلية - باعتبار اننا لا نملك فى اقليمنا مجلة ادبية - يجدان بوادر النكسة قد بدات بالظهور .

اشترك في نشرتنا البريدية