الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

نم ثقافتك, العرب هم أول من وضع أوراق النقد ( البنكنوت )، وكان اسمه عندهم ( الجاو )

Share

واليك التفصيل :

قبيل الاسلام كانت الدولتان العالميتان الكبيرتان : الروم والفرس ، قد اقتسمنا سك العملة النقدية . . فللبيزنطيين سك العملة الذهبية وحدهم ، ولفارس طبع العملة الفضية وحدهم ، بجميع ألوان عملة الذهب وعملة الفضة من دينار ونصف دينار وربع دينار ، ومن درهم وأقسامه .

النقد في عهد الجاهلية

وكان العرب في جاهليتهم ، مختلطين في تجاراتهم ، صادرها وواردها بالعالم يرحلون في الشتاء والصيف ، فكانوا يستعملون النقد الذهبى الروماني ، والنقد الفضي الفارسي . .

النقد في اليمن

وهذا بطبيعة الحال في غير اليمن ، فقد كان لليمن نقود عليها صور ملوكهم واسماؤهم واسماء المدن التى

طبع فيها تلك النقود . . وقد استمر التعامل بهذا النقد العربي اليمني حتى عهد بني أمية . .

النقد العربي

حينما استقرت دولة العرب وعظم شأن الاسلام في العالم وامتدت اجنحته الميمونة في شتى أفاق الدنيا أزمع العرب أن يسكوا نقودهم لديهم ، تعريبا لها وإقلاعا عن استعمال النقود الاجنبية ، فطبع أول ما طبع نقد عربي فى خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه . . ضرب فى هذا العهد الزاهر وفي عام ١٥ ه بالتحديد أول نقد ذهبى وسمى باسم الدينار ، ثم تتابع سك النقود الذهبية والفضية العربية والاسلامية بعدئذ حتى طغت على اوروبا فى العصر الذهبي للحضارة العربية ، فصار الافرنج يسكون نقودهم محلاة بالحروف العربية وعلى نمط النقود العربية والاسلامية .

نقود من الجلود

  وكانت أول محاولة لتخفيف وطأة تكاليف العمل العينية ( أى الذهب والفضة ) فى عهد الامام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقد ذكر المؤرخون أن النقد الذهبى قل في زمن هذا الخليفة العظيم ، فلجأ إلى ترتيب مبتكر جديد ، لتأمين سير التعامل الاقتصادي بين الناس ، فما الذهب والفضة إلا وسائل لتأمين هذا التعامل ، ومتى وجد ما يقوم مقامهما وتواضع عليه الناس وأقرته الحكومات أو الحكومة المستقرة الموطدة الأركان قام مقام الذهب والفضة كما نراه في عصرنا الحديث .

فقد استعمل اذن في عهد عمر ( نقد الجلد ) . . وكان الجلد يومئذ أداة الكتابة عند كافة الأمم ، وفي أوروبا استعمل منذ ( ٥٠٠ ق . م ) فالجلد عندهم كان يقوم مقام الورق عندنا ، في الكتابة ، ومن ثم استعملوه في النقد . .

   وقد حدثنا الشاعر العربي أبوتمام الطائى عن استعمال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنقد الجلدى فقال :

لم ينتدب عمر للأبل يجعل من جلودها النقد حين عزه الذهب ويريد أن يقول : إن عمر لم يعارضه أحد حين أمر بإصدار النقد من الجلود . . فهذا تسجيل حادثة اقتصادية عربية هامة . . وكذلك طالما كانت الحاجة أم الاختراع . .

استعمال العرب لورق النقد

وتمضي المدنية الاسلامية في ازدهارها وتقدمها ، حافلة بكل مقومات المدنية الصحيحة ، بعيدة عن وسائل التدمير التى ألهب الغرب باختراعها لجعل الأرض شعلة أو شعلا من نار لا تبقى ولا تذر ، وقد اخترع العرب الورق بعدئذ ، وأقاموا له المصانع الحافلة ، وجنت الأنسانية خير ما تجنيه من تقدم وحفظ تراث للأجيال التالية بسبب هذا الابتكار العظيم . .

وحينما استقر أمر الورق العربي ، وعرف أنه تركز وعم آفاق الارض , رأي العرب بشفوف ذهنهم أن ما كان قد حدث في القرن الأول الهجرى من طبع نقود جلدية خفيفة الوزن ، عظيمة الثمن أو قليلته من الممكن اعادة احداثه ولكن بصفة أعم وأهم وأدق ، وفي الورق الذي حل فى الكتابة ، وتسجيل أهم الأحداث وسرعة الانتشار وخفة الوزن . . ومن أجل ذلك طبعوا عملية ورقية مختلفة الحجوم والقيم ، فكان هذا أول حدث من نوعه في العالم . .

حدث ذلك بالضبط سنة ٦٩٣ ه أي قبل ٦٨١ سنة هجرية من عامنا الحالي . . ورد في كتاب ( الحوادث الجامعة في المائة السابعة ) لابن القوطى فى حوادث السنة المذكورة ما نصه : ( وفيها - أي في سنة ٦٩٣ ه - وضع صدر الدين صاحب ديوان الممالك بتبريز : "الجاو" . " والجاو اسم لورق النقد مثل ما يدعى الورق النقدى المستعمل الآن ( بالبنكنوت ) وهو كاغد عليه تمغة السلطان وضعه

عوضا عن السكة على الدنانير والدراهم ، وأمر الناس أن يتعاملوا به ، وكان من عشرة دنانير الى ما دون ذلك حتى ينتهى الى درهم ونصف وربع ، فتعامل به أهل تبريز ، اضطرارا لا اختيار بالقهر . فاضطربت أحوالهم اضطرابا أضر بهم وبغيرهم ، حتى تعذرت الأقوات وسائر الاشياء

ثم حمل منه عدة أحمال إلى بغداد صحبة الأمير لكزي بن ارغون آقا ، فلما بلغ ذلك أهلها استعدوا بالاقوات وغيرها ، حيث عرفوا بما جرى في تبريز ، فلما انتهى ذلك الى السلطان  (كيخاتو ) أمر بإبطاله ، فأبطل قبل وصول لكزي الى بغداد " .

وجاء في كتب التاريخ اضافة الى ما ذكر : " ان صدر الدين المذكور أمر الأهالي أان يسلموا ما عندهم من ذهب وفضة الى خزانة الدولة ويستعيضوا عنها بأوراق مالية ، وتهدد بالقتل من لم يستجب لامره "

" الجاو " ورق النقد العربي

وقد عم ورق " الجاو " النقد العربي حينئذ كثيرا من أقطار العروبة والاسلام ، شأنه في ذلك شأن أوراق البنكنوت في العصر الحديث تماما . .

قال الأب انستاس الكرملى في                                                                                                                      هذا المعنى : ( وأسست دور للجاو فى كل مكان من الولايات الآتية : اذربيجان , والعراق العربي ، والعراق العجمي ، وفارس ، وخوزستان ،

وديار بكر . . ومنع استعمال الذهب والفضة فى الممالك الإيرانية ) . .

وصف ورق الجاو . . النقدى

وقد أعطانا الأب انستاس الكرملى وصفا كاملا لورق النقد العربى : " الجاو " حتى نستطيع أن نعرف مدى التقدم الحضاري الذي أحرزه أسلافنا وحتى لا نؤخذ ببهرج المدنية الغربية الحاضرة ، وحتى نعرف أن أغلب ما تفتخر به ، وأكثر ما تزدهر به هو نتاج غيرها . . فابناؤها وجدوا

تراث المدنية العربية موفورا حاضرا منظما منسقا مصقولا ، فاحتضنوه ، ثم اخفوا مصدره ، جحودا ومكرا وسوء نية ، وعدم أمانة . . قال انستاس في وصف ورق الجاو :

" والجاو قطعة كاغد مستطيلة ، مكتوب عليها في الوجهين : ( لا اله الا الله ، محمد رسول الله ) وفي وسط الجاو قيمته ، ومكتوب عليه : ( لقد أمر في سنة ٦٩٣ ه سلطان العالم بتداول هذا الجاو المبارك فمن غيره أو بدله يكون هو وولده وزوجته عرضة للعقاب ) . .

تعليق وتطبيق

اننا إذا تأملنا في وصف ورق الجاو المذكور فهمنا من أين استقى الغرب نظام وضع ورق البنكنوت تماما . . فورق البنكنوت الاوروبي المعاصر مستطيل ، وعليه مبلغ قيمته ، والآمر بطبعه من الحكومات ، وشعار تلك الحكومة ، وما الى ذلك . .

اشترك في نشرتنا البريدية