الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

هي ماذا . . . المادية التاريخية ؟ !

Share

اختلف المفكرون قديما وحديثا فى العوامل التى تتحكم فى سير التاريخ , والتى يمكن اتخاذها اساسا لتفسير احداثه ووقائعة ، غير ان كل فئة من هؤلاء المفكرين قد اتخذت لنفسها ، فى نطاق وجهة نظر معينة - عاملا واحدا يؤثر فى سير التاريخ ومجرياته ، ويكون ذلك العامل سابقا فى " الزمان والمكان " لوقوع الحوادث التاريخية التى تصبح بدورها نتيجة له . وعلى هذا اختلفت وجهات النظر وتعددت ، بين العلماء والمؤرخين فى تفسير التاريخ , وفى اثر العامل المؤثر فى تغيير مجرى التاريخ البشرى فمنهم من جعل العامل الجغرافى هو العامل الايجابى الفعال . . ومنهم من جعل العامل الروحى ...

او البطول . . او الدورى الخ . . وكان من بين هذه النظريات نظرية " ماركس " التى تفسر احداث التاريخ تفسيرا " ماديا اقتصاديا " والتى لاكتها الالسن والكتب كتابة وبحثا ومناقشة وقد اطلق على هذه الفلسفة اسم " المادية التاريخية " وهى الجانب الاجتماعى للمادية الجدلية " الديالكتيكية " : وما هى . . الا تلك الفلسفة العامة لمااركس وانجلز التى تبحث فى " الوجود " وطبيعة الكون والقوانين العامة التى تسير بموجبها قوى الطبيعة ، وقد تأثر بهذه الفلسفة الفيلسوف المعاصر " سارتر " الذى اشاد بحديثه معه دكتورنا فريد غازى .

وما دمنا نبحث فى التفسير الذى يمكن اعتماده لسير التاريخ فلا فائدة ترجى من مناقشة المادية الجدلية . لقد امن ماركس بالعامل الاقتصادى ، وهو العامل الوحيد الايجابى - فى نظره - الذي يؤثر فى علاقات الامم والافراد ، ويعين مجرى التاريخ ، وكل الاختلافات التى تنشأ فى المجتمعات ، سواء اكانت خلقية او اجتماعية او دينية ، ما هى الا مظهر من مظاهر اختلافها فى نوع الحياة الاقتصادية السائدة فيها . وبهذا نرى انه لا يعتبر فى تفسير التاريخ الا الانظمة الاقتصادية ، وليس هناك اهمية تذكر للعوامل الاخرى الجغرافية او العنصرية او اللغوية . واضاف ماركس الى ان العامل الاقتصادى يؤثر ايضا فى التنظيم الاجتماعى والسياسى والثقافى ، وبعبارة اخرى يمكن القول : ان المذهب التاريخي المادى الذى قال به كارل ماركس وانجلز يفسر الناحية المعنوية فى المجتمعات بانها تقوم على اساس تركيبها المادى . ويظهر من هذا كله ان هناك اسراف وتطرف فى

الحكم على ان جميع حوادث التاريخ وسيره - والحوادث الاجتماعية بصفة عامة - تخضع الى عامل واحد ، هو العامل الاقتصادى ، ورغم انه لا ينكر ان العامل الاقتصادى قد لعب دورا هاما فى التاريخ ، الا انه لا يمكن الاقتصار عليه كعامل ايجابى والعوامل الاخرى سلبية ، وانما علينا اذا اردنا ان نفسر التاريخ تفسيرا يتماشى والبحث العلمى الحديث ، ان لا نهمل العوامل الاخرى المؤثرة فى مجرى التاريخ ، وان ننظر اليها على اساس انها عوامل تعمل مع بعضها متعاونة متداخلة ، وان كل نظرية وضعها لنا العلماء من تلك النظريات انما هى تفسير " جزئي " لحوادث التاريخ

واحسب ان هذه هى المحاولة الجديرة بالاهتمام ، وليس التعلق بتلابيب مذهب يؤمن " بوحدانية " العامل الاقتصادى والذى تراءى لبعضنا براقا فأخذنا ببريقه ، وغفلنا عن بقية الفلسفات او التفسيرات التاريخية التى لها اهمية لا تنكر . وفى رابى يكفى دلالة على ضعف المادية التاريخية فيما تعتمد اغفاله من حوادث تاريخية تتعارض ونظرتها .

محمد الأمين خلفة

اشترك في نشرتنا البريدية