فى صبيحة يوم جميل ، انطلق موكب الصيد بالاميرة ((عليسة)) وضيفها الامير الطروادى - انياس - ، تحف بهما حاشية الاميرة من آل صور وبعض فرسان الطرواد . وما ان توغلوا فى الغابات حتى انطلقت الجياد تسابق الغزلان وحمير الوحش والخنازير ، وكلما أوغلوا داخل الادغال ، كلما تفرقت الجموع كل الى ناحية ، وبعد وقت ليس بالطويل كانت (( عليسة )) وضيفها الطروادى قد ابتعدا عن بقية الجماعة ، يسرع بهما جواداهما بدون اتجاه معين وفحأة اقتحمت الغيوم الداكنة السماء وهطلت الامطار غزيرة ، فالتجآ الى كهف قريب حيث اختفيا فيه
وكان الصمت سيدهما أول الامر ، وكان كل شئ فيهما يرتجف ، قلبان هدهما الحب ، وعوائق تقف حجر عثرة للقاء . فبلقائهما تتفجر المآسى لتحطم الامال . لكن - فينوس - كانت حاضرة روحا وجسدا ، ان لها من القدرة ما يطمس معالم المأساة فى نظراتهما ، فباضافة نفحة واحدة منها فى قلبيهما سيتغير حالهما ويصبح لقاؤهما هو الهدف المنشود ، اما ما عدا ذلك فسراب فى سراب وعبث
كفت الامطار عن النزول ، واطلت اشعة الشمس من جديد ، وهبت نسمات خفيفة ، حبلى بأريج الزهور ، وبدا المشهد من ذلك العلو كحلم جميل ، سيول تنسكب بخرير موسيقى شجية ، وحبات المطر اللامعة التى تعلقت بالاشجار والنبات ، بدت كالنجوم في ليلة مقمرة ، خالية من تطفل اشباح الغيوم وعادت الطيور تحوم على الاكام وأعالى الاشجار . وانسلخ الحبيبان من هواجسهما انسلاخ النهار من الليل لقد كانت النفحة الآلهية كفيلة بأن تمحو الشر والالم من الحالم ، فما بالك بكائنين تريد الآلهة ان تجمعهما بنفحة عشق فطمست معالم وظهر غيرها لتجسم النقيض ، فلا المأساة بقيت مأساة ، ولا العواقب بدت وخيمة ، فشعلة العشق نفثت النظرة السوداء للحياة من
روحيهما ، فأصبحا كطائرين لا يحملان من الوجود الا ريشا ناعما ، تعبث به نسمات هي هبة الآلهة . لقد اصطبغ السواد بالبياض وذهب الانقباض بدون رجعة ، ورفعت الدنيا على موسيقى الحب ، انه سحر العشق الذى يزيح كل عائق يحول دون اللقاء . السماء والارض وما بينهما وظواهرهما تحاول عبثا اظهار الواقع غير منق ولا مزيف ، لكن نفثة - فينوس - كانت اقوى من ذلك وهى قادرة على ان تحيل العواصف الى نسمات عليلة ، وأصوات الرعود الى موسيقى شجية ، والبرق الخاطف للابصار الى رقص النجوم فى ليلة عرس صفيتهم - الزهراء - ودب في الحبيبين لهيب وانتشاء وارتعشت الشفاه وارتبكت الاعضاء ، ان ما بهما لو نزل على الجبال لتعانقت وعلى النجوم لتهاوت .
وانتشر الخبر انتشار الوباء فى الارض ، لقد تزوجت الاميرة عليسة بالامير الطروادى - انياس - ، فتذهب القبائل البربرية الى الجحيم ولينفجر ملك ليبيا - ايارباس - من الغيظ ، وليصب شعب طروادة بخيبة أمل لا يقوم بعدها ابدا ، فسحقا لكل معترض وحسود وطماع . وفرحت ((انا)) بالامر وصمتت الام - لاطونة - وكأنها تتنبأ بمكروه اما آل صور فقد انقسموا الى مؤيدين ومعارضين وكل وحججه الدامغة الداحضة ، اما الطرواد فقد كانت نكبتهم مضاعفة ، فوضعهم يختلف عن وضع آل قرطاجة . فالقرطاجيون بنوا مدينتهم والطرواد مشردون فى الارض ، وهذا الفرق كفيل بان يجعلهم على شقى نقيض لا يلتقيان ابدا . فآل قرطاجة لن يقبلوا شعب طروادة الى الابد والاخيرون يريدون تحقيق وطن بسواعدهم ، لا أن يعيشوا عالة على غيرهم ولو كانت بينهم ارتباطات عشق . وبدأ التذمر يأخذ منعرجا آخر فى خيام الطرواد ، وظهر الحماس على اشده بين الرجال ، انهم لن يقبلوا ما دبره لهم أميرهم ، وسوف يكون لهم معه شأن واى شأن
أما - فينوس - فقد حطت رحالها بأعلى المدينة لتسهر بنفسها على قضاء رب الارباب وقدره .
بينما كان المساندون والمعارضون والساخطون ينفثون آراءهم سرا وعلانية ، كان نفسان لاهثين هدهما الانتشاء ، فانسلخا من اجواء الانتقاد ، ولم يعودوا يبصران الا نورا ساحرا فى رحاب فردوس الجمال والحب ، وقد تغافلا عن وحوش واشباح كامنة وراء زهور وورود . ان محبين تحف بهما نفحات العشق
من أجمل آلهة ، وأجمل كائن بتزكية من رب الارباب ، لكافيا أن يتحديا العوائق ، وقد لا يشعران بما يجرى فى ساحة المعارضة ، فالذى بهما سما بهما الى مصاف أشباه الآلهة ، لا يبصران الا ما يسرهما ، حتى ولو كان ما يسرهما سلخ الناس ، قد تظهر لهما الحقيقة مجردة من كل زيف ، فيها ما يفيد الناس وما يضرهم ، ولكن يغلبهما الاعتزاز بنفسيهما ، فيتجاهلان الصراخ ويركبان رأسيهما ، ويصران على التحدى ، يدفعهما الى ذلك ، انتشاء يودان المحافظة عليه ، عبثا بأحاسيس البشر . ان الاحساس بالعظمة والاحساس بالرأى السوى ، لما فى هذا الرأى من فائدة لصاحبه ، يطمسان وجود اصابع الاتهام التى قد تظهر بين الحين والآخر ، ولو كانت هذه الاصابع تصل عنان السماء . وبدون هذه الافرازات الانسانية من مركبات التفوق والنقص والانانية والطموح يصبح الكائن لا كائنا كما تريده الآلهة
وكانت اشهر مخاض صعبة لمدينة - قرطاجة - وكاد يذهب ريحها لو لم تكن الآلهة ارادت بأن يكون لهذه المدينة شأن وأى شأن ، وان يكون سقوطها على يد احفاد - الطرواد - الذين يؤسسون دولة روما فيما بعد وكأن ذلك كان انتقاما من المدنية التى ارادت اميرتها الا يبنوا وطنا ، وذلك باختطافها لسيدهم وسجنه فى معبد العشق
وفى ليلة ارق - انياس -، وبدا له المضجع باردا كالثلج ، غير مريح بالمرة وكأنه ما استلقى عليه الا تلك الليلة ، وكانت صاحبته تغط فى نومها وقد آنست من بعلها عناية ما كانت لتحلم بها بعد جفاء سنوات مع الرجل ، وهى تنعم بما تبقى لها من فتنة وبدا كل شئ فى غير مكانه ، فنهض واطل من الشرفة . غيوم متفرقة تسرع بعيدا عن سماء المدينة . وكأن وراءها خطب واى خطب .
كانت امواج البحر النافرة تلطم صخور المدينة فى عنف وشراسة ، فيتطاير الزبد . كل شئ قاتم لا يبعث على الطمأنينة ، حتى سفن الطرواد ترقص رقصه الحزن على صفحة الماء ، لقد ملت الانتظار الرهيب . وتلك الخيام التى احتضنت التربة وهي تكرهها ، لعلها تجد فى الانتظار مخرجا ، حتى آل قرطاج قد طفح بهم الكيل . فشعب طروادة يقاسمهم خيرات البلد الضئيلة ، لا لشىء الا لان اميرتهم اتخذت من احدهم بعلا . ان اصوات النكير لتطن في اذنيه وتتصاعد حتى تغطى صخب الامواج ، وبدأ يقينه يكتمل ، انه ضل الطريق لا يعرف كيف تم ذلك ، وكأنه ما كان فى كامل وعيه . واختار طريق
الخيام ، ان هناك تكمن خطيئته ، ولا بد من تدارك الامر ، لقد حرصت الآلهة على ان تتم مشيئتها .
تحسست الاميرة عليسة مرقدها فصدمت بالشغور الحاصل ، فانتفضت مذعورة ، انها اول مرة تفقد بعلها فى مثل هذه الساعة ، واحست ان سرا عواقبه غير مريحة وراء هذا الامر . واسرعت الى جناح اختها - انا - لتعلمها بالخبر .
دبت فجأة حركة غير عادية فى سفن الطرواد وخيامهم ، وكانت أعين القرطاجيين ترقب كل ذلك فى ريبة مما يقع ، . . وكانت - انا - وراء كل ذلك لقد احست بعد هلع عليسة من اختفاء زوجها ، ان تغييرا قد حصل تحت قبة سماء المدينة ، وان القلبين اللذين تعانقا بين حاسد وغاضب ، قد يفترقان على مأساة ادخرتها الآلهة لهذا الخطب ، وكان ولا بد ان تطلع على كل ما يجرى فبريق بصر عليسة كان مخيفا وهى تعلمها بالخبر ، وهي تعرف اختها اكثر من الجميع ، إذا احبت كان عطاؤها بدون حساب ، واذا خذلت فهى كالوردة اليانعة ، لا تشح بعبيرها عن نسيم عليل او عن ريح صرصر ، فاذا احتاحها العجز وذبلت تنكر لها النسيم والريح الصرصر
كانت عليسة فى تنقل دائب بين اجنحة القصر ، تحتضن السوارى فى لهث التى فقدت عزيزا عليها ولا طاقة لها للعيش بعده ، ان انفاسها حائرة ونبضها الم ، وتسرع الى الشرفة المطلة على البحر ، ترقب الساحل والسفن السابحة فى خيلاء ... وصلف فيهيج منها الفؤاد ، وينطلق بصرها حتى خط التقاء البحر بالسماء ، وعندها ، تنعم الرؤية وتغيب برهة لتفزع بعدها فتحملق بلهفة فى البحر والسفن وعناق البحر لقبة السماء ، كالتى اصيبت بخيبه أمل لم تحسب لها حسابا ، ولو كان فى مقدورها ان تحتضن كل ما تراه لفعلت . لقد اصبحت تكره الغياب ولو للحظة ، ان فلذة منها تريد الانفلات من حضنها . ان للموج للطم وان صخبه يشتت ما بقى لها من اتزان ، وشعرت ان كل شئ يرتج فارتمت على مضجعها تحتضن الوسائد وتدفن رأسها بينها ، و كأنها تبتغى الغيبوبة بعد ان صليت بلهيب حبها . صليت فى اول جفوة من حبيبها وهى لا تعلم هل تطول هذه الجفوة ام تقصر ، ام كان كل شئ وهما بعد ان صدمت بتصرف من حبيبها لا تعلم ابعاده . واحست ان احدا اقتحم عليها مضجعها ، وقبل ان ترفع رأسها كانت الام - لاطونة - تجثو حذوها تحتضنها ، لقد اصغت الى همس ابنتها - انا - ، ان عليسة تحتضر بحبها .
كانت الام - لاطونة - محقة فى تخميناتها يوم تهاوت ابنتها فى حب بريق عينى الامير الطروادى . ان نداء الجسد لا يراعى فيه المنطق ، وانما هى افرازات حب ، ومتى كان الحب كله خير . الحب خرب طروادة وشتت شعبها ، وكانت تعلم ان هذا النداء ما هو الا سحابة صيف عابرة ، او وردة في جمالها واريجها وعمرها ، وامتدت اناملها تعبث بضفائر شعر أميرتها ، تبث فيها من اشعاع امومتها ما قد يحصنها من انهيار مفاجىء عن عليسة كانت كحجر ساحل البحر لا يحس بلين الزبد ولا بعصف لوح الثائر . ان ما أصابها كان مفاجأة لم تتهيأ لها ، فأميرها غمرها بعطاء كانت لها معه جفوة سنين طويلة ، ولم تزل فى سكرتها من ذلك العطاء ، حتى طلع عليها الفجر بسقوط دولة حبها تحت حوافر خيل حبيبها وسيفه . فى تلك اللحظة اقتحمت - انا - عليهما المكان وهى تحاول اخفاء جزعها ، ورمقتها - عليسة - بعيون خائفة ، كالغريق الذي احس بنهاية حياته وهو عاجز عن التصدى للامواج الصاخبة الهادرة اكثر من ذلك ، ثم انتفضت من حضن امها واسرعت الى - انا - قائلة :
- ماذا وراءك يا اختاه . . . - ما لا تشتهين وما لا تنتظرين - ويحك اختاه . . . انك تحرقيننى بنار العالم السفلى
واسرعت الام - لاطونة - الى ابنتها - انا - تحاول منعها من اتمام كلامها ، ولكن عليسة صرخت فى اختها :
- هل ازمع على الرحيل ؟ ... هل ازمع على الهجران . . ؟ - كل الدلائل تشير الى ذلك الا . . . - الا ماذا . . هل هناك من استثناء . . .
وظهر ان عليسة كالغريق تتشبث حتى بتبنة ، ان كلمات - انا - قضت على كل امل فى عودة حبيبها ، واختطفت وشاحا ورمته على كتفيها ثم هرولت مغادرة المكان بين دهشة الام - لاطونة - والاخت - انا -
عندما وصلت - عليسة - الساحل الذى يأوى خيام الطرواد وسفنهم ، كانت الشمس قد اشرفت على المغيب ، وكان الطرواديون فى تنقل حثيث بين الخيام والسفن ، ينقلون متاعهم ، وقد بدت على الوجوه طمأنينة . وعندما ابصرها الطرواد توقفوا عن الحركة ، وكأنما دب فيهم جمود الصخور . وكان
(( انياس )) منتحيا جانبا من المرفأ ، يحادث احد مواطنيه . . وما ان ابصرها على تلك الحالة من الغيظ ، حتى تقدم منها بخطوات بطيئة متثاقلة . لقد أفاق من سحر ألم به ، واختار اخيرا الطريق الصحيحة لبناء وطنه الجديد ، ولكنه لا بد - فى مقابل ذلك - ان يخفف من وطأة هجرانه لاميرة قرطاج . لقد آوت شعبه ، وكفته مؤونة الضياع والترحال والاحتياج ، وغمرته بعطف بلسم شيئا من جراحه الكثيرة ، التى لم يسلم منها اى فرد من شعب طروادة ، وعليه فى هذا الموقف المحرج ان يحسن محادثتها . قد يسهل الهرب فى غيبتها ولكن سيصعب عليه مجابهتها بالحقيقة التى انعشت شعب طروادة وكسرت قلب - عليسة - قد يسعد الحب قلب حبيبين ولكنه سيحطم مدينة بأكملها بحث عن العبارات المناسبة التى ادخرتها لهذا المشهد فما وجدها ، وحاول مواجهتها بتعقل الذى بيده تقرير مصير شعب بأكملة فما وجد سبيلا لذلك . لقد كان انسانا وكان حبيبا ، الم يكن العاشق الذى ناجاها فى المغارة وباح لها بحبه كما باحت له بحبها ، الم يكن ذلك الزوج طيلة اربعة فصول بأيامها البحرية الجذابة ولياليها العاطفية الساحرة ، ألم يتقلب فى نعيم هذه المدينة الفتية ، حتى كاد ينسى شعب طروادة ومدينته الموعودة ، وقد كاد ينسى قبلها جراح شعب طروادة في خراب مدينته وتشتته عبر السواحل ؟ وكيف له ان ينسى وامه - فينوس - آلهة الحب التى تمتلك كل اوتار المشاعر الناعمة والحالمة بكل جميل ؟ ! فكيف له ان يقف امامها كأى صنم وهو ينبض دما واحاسيس ؟ ! وكيف له العبوس وهو الحبيب العاشق وكيف له تجاهل ما هي فيه وهو يشرب من نفس النبع الذي شربت منه ؟ ! وها هو الان يصطلى من نفس النار التى تحرقها . وقطعت عليه صمته الذى اخرس لسانه ولم يخرس هواجسه .
- انياس ... اتهرب منى ... ؟
ولم تنتظر منه جوابا لان ما تشاهده على الشاطئ ، قد اغناها عما قد تنتظره منه باجابة هى فى الواقع لا تغير من الامر شيئا ، وقد نسجت الآلهة وهى فى عليائها خيوط حياتها ، ولكن الاحتراق على يد حبيب ، يطمس معالم الشمس وهى بازغة وتعدم زرقة السماء فى الظهيرة ، وتشل حركة الكون وراء بصيص من النور ومن المعجزة قالت وهى شبه حالمة :
- ليتك تبقى . . انياس - انى فى اشد التأثر
- ليتك تبقى انياس . . ليتك تبقى انياس . . ليتك تبقى .
كانت تردد كلمات هى ما تبقى لها بعد معاناة كبيرة ، وكادت تلك الكلمات ان تنفذ الى قلب انياس لعدم التكلف فيها ولانها خارجة من الجوارح التى لا تعرف الزيف ولا النفاق ، بل لا تعرف الا تحريك المشاعر والسمو بها إلى أعلى درجات الصفاء والنقاء ، ولو لم تسرع - فينوس - الى تشويش الموجات الصوتية ، فتغير ذبذباتها ، لوقع الامير اسير غرام عليسة من جديد .
لما ابصرت الاميرة ان حبيب الامس اصبح كالصخرة البحرية التى لا تحفل بصفعات الامواج الهائجة ، ولا بفقاقيع الزبد وهى تلثم جوانبها ، حتى كادت تتهاوى بين رجليه تلثمهما ، ولكنها تماسكت حفاظا على بقية من شخصيتها كأميرة امام بحار ، وقالت وهى ترمى بآخر سهامها :
- بحق الحب الذي جمعنا لا تهجرنى . اناشدك بقلبينا اللذين نبضا على ايقاع الحب ، وبانفاسنا اللاهثة شوقا وحنينا ، اناشدك بالآلهة - فينوس - التى جمعت بيننا رغم بعد بلدينا ، اناشدك بأبطال طروادة الذين سقطوا دفاعا عن بلدهم ، اناشدك بروحينا اللذين تناجيا اول مرة فى الغار الذى اصبح لدينا محرابا نذبح فيه القرابين لآلهة الحب والجمال ، انياس . .. انى اضع تاجى بين يديك فاحكم باسمى قرطاج ، وليهنأ شعبك ، فلن يمسه اذى ولنبن قرطاج العظيمة ، من اجلك نقم على ملك ليبيا ، لانى رفضته بعلا من اجلك سخط على شيوخ قبائل البربر حتى أننى اصبحت أخاف مبادرة سيئة منهم قبل ان ترسخ قدمى فى قرطاج ، اناشدك ألا تهجرنى فى انياس واترجاك . .
اصغى انياس إلى شبه كلمات ذهبت بمعانيها امواج البحر الصاخبة ، وكان ولا بد أن يحسم الموقف ، فالبحارة توقفوا عن العمل ، وقد يهرع آل قرطاج في الساحل بين الفينة والاخرى فيحدث ما لا يحمد عقباه ، فقال وهو يولى لها ظهره ، ويرمى ببصره الى آخر خيط من البحر الذى يلامس السماء . .
- انا آسف لهذا الفراق ، وأكون أنانيا لو اتبعت شهواتى ، واترك شعبى مشتتا فى كل السواحل ، لا سيادة له ولا سلطان ، ايعجبك ان يستجدى شعبك رأفة من الشعوب الاخرى طلبا المأوى والارتزاق ؟ فاى
مصير هذا الذى ينتظره وهو ذليل بين الشعوب السائدة فى كل البقاع ؟ ! انه لعمرى ، الموت على آخرنا داخل اسوار طروادة ، ولا هذا المصير ؛
احست عليسة انها تحترق تحت سياط كلماته فصرخت : - لكن لماذا اوقعتنى فى حبائلك .. - حكمة الاقدار .. - بل قل سخطة الاقدار - فى السخطة حكمة - فكان من نصيبى الهجران والخيبة والاحتراق - نصيب كل حى شر وخير ، ولا نستطيع دفعهما
ولم تقو - عليسة - على الوقوف اكثر من ذلك على رجليها فجثت على ركبتيها ، ولعلها انسلخت فى تلك الآونة من اخر سلك يربطها بالتاج والامارة تحت ضربات تهد الجبال وبدرت من انياس حركة لعلها كانت لا شعورية او حركة تلطف فأوقفته عليسة قائلة :
- لا بأس . . . سوف ترتاح رجلاى ولن اكلفهما بعد الآن مشقة حملى ولم يظهر ان انياس فهم ما تعنيه حبيبة الامس أو قد حاول اظهار عدم الفهم فاردفت الاميرة :
- لتحرسك الآلهة . . .
وقد كانت عبارتها الاخيرة مفتاح ازمته فتحرك بدنه كله لها وكأنه كان مجمدا لمرأى عليسة ، ولمعت عيناه بنور الانفراج ، وما ان أبصر البحارة منه ذلك التحول حتى دبت الحركة فيهم وعادوا من جديد فى نقل المتاع الى السفن .. وحاول - انياس - ان يجد الكلمات المناسبة لذلك المشهد ، فعجز ، اما ((عليسة)) فقد نكست رأسها ، بينما اناملها تطحن الرمال طحنا ، ثم قالت وهى تتنفس بصعوبة الذى يجابه امرا جليلا . .
- اذا كان ولا بد فاترك لى سيفك ورداءك . . يبقيان كذكرى لدى - لك ما اردت ايتها الحبيبة .
وانتزع رداءه ، وسل سيفه من غمده وقدمهما اليها ، فاحتضنتهما تضمهما اليها وقالت وهى تذرف دمع الحب مدرارا
- لتصحبك السلامة .
- عظمت بك قرطاج وفخرت بك
- ستعظم بغيرى . سيسلم غيرى مشعل الفخر ، لاننى انتهيت
- كلا ، انك سوف تبقين سيدة المدينة الاولى ، وشعب طروادة كله يثنى عليك لما وجده من حفاوة كبيرة طيلة المدة التى قضاها بمدينتك . .
- الشكر للآلهة . .
فى تلك اللحظة كانت كل السفن جاهزة للرحيل ، ولم يبق على الشاطئ الا انياس وعليسة ، ولما يئس الامير من نظرة أخيرة الى عينى حبيبته ، التى لم ترفع رأسها عن الارض ، لمس كتفيها بضغطة خفيفة بيديه وأسرع الى السفن
لم ترفع عليسة رأسها من الارض الا بعد ان ابتعدت السفن ، عند ذلك نهضت تتمشى على الشاطئ ، ثم اتجهت الى كومة الاخشاب التى يضعها آل صور ليقدموا عليها القرابين ، واشعلت احداها ، وما ان علا لهيبها وتصاعد دخانها الى عنان السماء حتى صعدت على صخرة فوق النيران ، وغرست السيف بأحشائها وهى تطلق صرخة دوت لها تجاويف الصخور ، ثم ارتمت على اللهب بصرخة ثانية اقل حدة ولكنها اكثر عمقا ولم يدر امير طروادة ان أميرة قرطاج كان وداعها بالدم والنار

