الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

وذاب في سباخ الملح ..

Share

وقف الجندى ينظر الى الحشد الهائل القادم لتوديعه . انتفخت أوداجه زهوا وغرورا . سار وسط الجمع فى ترفع وخيلاء فى بدلته الكاكية وبندقيته الضخمة على كتفه تثير الخوف والرجاء ، والتطلع الى غد مجهول يتوجه الحق وتسكنه الطمأنينة .

شد حزامه الجندى . شعر بقوة واعتزاز ويداه تتحسان الرصاص المستكين فى الحزام . قرأ صدى غبطته فى الاعين المترقبة فى أمل وتساؤل .

انسحب بصره من دائرة عصمته . شرد هائما خلف الجانب الآخر من التل . هناك كان العدو مرابضا بكل جنده وعتاده وقد تمركز ثقة ودعة .

ابتسم متبرما . لعن فى سره . ضحك علانية . أحس بشئ غامض يعتصر قلبه . ينخر صدره . شئ كالغصة يستقر فى حلقه . كحبة ملح مريرة سقطت داخل حنجرته ، سالت ملوحتها فى فمه ، تجرح لسانه وتلوث ريقه .

كان متأكدا أنه سيظل أسير التيارات الغريبة التى تتنازع نفسه . أسير المشاعر الغامضة التى تتوارد عليه تباعا ولا تتركه يهدأ ، أو يستريح ، ولا أن يعرف لمحنته نهاية .

تشاغل فى تسوية قبعته . تحس البندقية على كتفه . عادت ريح الاعتزاز تتغلب على امتعاضه . انها معركة المصير . معركة الجماهير المتطلعة بشغف اليه . هؤلاء الذين ينتظرون منه الكثير . يهفون الى اشياء كثيرة .. كثيرة ... ربما اعتقد احيانا أنهم يطلبون أكثر مما يجب ، أضحت آمالهم تتجاوز قدراته .. ولكن ..

سار خطوات امام الحشد الضاحك .. اجتمع شيوخ الحى وشبابه لتوديعه . ذبحت الذبائح . دقت الطبول وأعلن الفرح . رقص الفتيان على الخيول المطهمة وهم يتلاعبون بالسيوف العربية المزركشة . تمايلت العذارى على وقع اللحن المنشرح . غنت القلوب ليوم النصر . التهبت الاكف بالتصفيق . علا الهتاف من كل جانب يحيى البطل الموعود . امتزجت تهاليل اخوته بزغاريد امه ، بدعاء الشيوخ .

عانقته امه ودموعها تلثم وجهه . قالت بصوت كسير لم يزد الا فى رسوخ تلك الغصة فى حلقه . (( ستأخذ بثأر أبيك .. آن لك أن تكون رجلا )) .

تفجرت ينابيع المرارة فى نفسه . غمرت حواسه حتى شعر بالغثيان يعتصره . تملص من ذراعيها بعنف . انطلق مغتبطا تشيعه الدعوات والضحكات .

تلوت بداخله أشياء وتفككت . تملصت من قبضته وهى تركله هاربة . وقف لحظات حائرا يملأ رئتيه بالهواء الخانق .

الموت امامه متربع فى ساحة العدو يرقب اشارة الانطلاق . والحياة خلفه بما فيها من فرحة وبقاء ، وذل ومهانة وكرامة طعينة تعانى لذة الانكسار .

بصق أرضا . تأوه بحرقة . ضحك جزعا . تنهد فى حسرة . عاد يجرى مسرعا وشبح المعركة يئن تحت قدميه . وقف حانقا يرمق الجمع الذاهل .

جذب البندقية من على كتفيه . أطلق النار على أطفال الحى الذين ما زالوا يهللون ، يردون أنشودة العودة . أطلق الرصاص على الشيوخ والنساء والصبايا .

ارتسمت الدهشة ممزوجة بالقنوط والخوف على الوجوه المذكورة . انتشى لحظة ببريق الرعب القابع فى العيون الحزينة المتسائلة .

دخل البيت ثائرا . أطلق النار على أمه وقد كانت تصلى ليوم النصر ، لعودة الارض الموعودة .

افرغ ما فى حزامه من رصاص على من وجده فى طريقه .    انتزع قطعة رغيف من يد طفلة كانت تقضم الخبز وتحلم متكئة على جذع شجرة عجوز . وقعت على الثرى ميتة والرصاصة تخترق رأسها ، تستقر مكان الحلم المروع الذى لن يتحقق ابدا .

شعر بفرحة سفاح مستبدل تغمره . ألقى بالبندقية عنه . راح الى أعلى ربوة فى الخلاء . افترش العشب . بقى ينظر الى العدو من بعيد وهو يمضغ قطعة الخبز المفتكة من الطفلة الحالمة . يمضغ بغل مبهم . راح صوته يدندن بأنشودة العودة ، حالما بيوم النصر . لكن فكره ظل شاردا خلف الخط الفاصل بينه وبين العدو .

هزه الخوف فجأة وأصوات العدو ترتفع مقتربة منه ، صاخبة ، قوية معادية . أخذت تتضخم . تتضخم ، تغزو الفضاء . تكتسح الافق . تسد منافذ الهروب امامه . تطوق الدنيا حوله بسياج من الحقد والاعتداء ، والغطرسة ، واعتداد ارهابى بالنفس ، اعتداد يقتلع الزرع من حقله قبل ان تلقى بذرته..

عادت الغصة تنخر حلقه . تشل حركاته . تذيب أطنان الملح فى حنجرته . أراد الصراخ . لم يستطع . فكر فى النهوض . لم يقدر على ذلك . كان قد تجمد فى مكانه .

لم يبق من شخصه الكالح ، الممزق الشخصية غير هيكل مبتور القوائم يرشح بندم مالح مرير الطعم .. بدأ يذوب بسرعة جهنمية ، يغرقه ويغرق العالم حوله فى سباخ الملح .

اشترك في نشرتنا البريدية