الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

وظيفة النقد

Share

(خاصة بالمنهل )

النقد الادبي فصل متخلف فى المكتبة العربية ، ولكن هذا التخلف هو الوضع الطبيعى للامور . نفذ هو عملية الوزن والتقويم ، فلا بد أن تسبقه عملية الخلق والانشاء . لابد من وجود المادة الفنية التى يزنها الناقد ويقومها .

ولقد وجد فصل النقد الأدبي في المكتبة العربية القديمة ، ولكنه في مجموعة كأن نقد الفاظ وعبارات لا يكاد يجاوز هذه المنطقة . فاذا جاوزها تناول المعاني من حيث هى معان ، ولم يحاول الا نادراً أن يحسب حساباً لنفس القائل وطبيعته ، كما انه لم يحاول قط ان ينظر الى خصائص الشخصيه فى هذا الأدب من الناحية النفسية . فاذ انظر الى هذه الناحية فأنما لينظر الى التعبير من حيث هو الفاظ وتراكيب ومعان ، لا من حيث هو خاصة فكرية ، دسمة نفسية وطريقة شعورية .

وعلى آية حال فقد جمدت قوالب النقد حوالى القرن الرابع ، وأصبحت قواعد محفوظة ، وطرقاً مرسومة ولم يتعد النقد فى الغالب - النقل عن كتب النقد السابقة بلا زيادة تذكر ، وبقي الأمر على هذه الحال نحو تسعة قرون !

ومنذ ثلاثين عاماً فقط نهض الأدب العربي نهضته الحقيقة ، فنهض فصل النقد كذلك ولكن ماذا كان أمام النقد من الماده الفنية فى هذا الأوان ؟

يكفى ان ننظر الى المكتبة العربية فى ذلك الحين فنراها خالية من اعمال : العقاد وطه حسين والمازني وشكرى وتوفيق الحكيم ، وهيكل ، والزيات ، وأحمد أمين ، والرافعى ، وتيمور ، ثم من شعراء الشباب وكتابهم وقصاصيهم وباحثهم - وهم كثيرون فى مصر والعالم العربى لندرك خواء هذه المكتبة وعجزها عن امداد الناقذ الأدبي بمادة عمله الأولية .

فلم يكن امام النقاد فى ذلك الحين إلا مجرد التعريف بالأدب الغربى القديم وبالادب العربى الحديث وكلاهما كان فى منزلة واحدة من البعد عن الثقات القراء في ذلك الزمان وكلاهما كان التعريف به ضرورة لازمة للنهضة الأدبية التى عمرت المكتبة الحديثة فى خلال الثلاثين عاماً الأخيرة .

نعم وجد إذ ذاك نوع من النقد ولكنه عمله الأول كان هو الهدم القاسى المصحوب بكل ضجات الهدم وفرقعاته فلقد كانت الضجة والفرقعة فى ذلك العمل هي العمل المجدى الوحيد لا يقاظ الغافلين السار بين فى مسارب الجمود القديم

وكتاب " الديوان " للعقاد والمازني كان معول الهدم الذي يسبق البناء ولقد صدر بعده بقليل كتاب آخر يضرب على نغمته ولكن فى هدوء ذلك هو كتابة " الغربال " لميخائيل نعيمة

ولم تصدر بعد هذا كتب فى نقد الادب المعاصر اللهم الا كتاب " على السفود " للرافعي وكتاب " رسائل النقد " لرمزي مفتاح وانما نسميهما نقداً من باب التجوز إذ إن مكانهما الحقيقي هو فصل " الهجاء " بكامل معناه تم كتاب " شوقي " لانطون باشا الجميل وهو استعراض لفنون القول عند شوقي

ولكن ظهرت مقالات متفرقة للعقاد والمازني وشكرى وطه حسين وأحمد أمين والزيات ثم ظهر كتاب " شعراء مصر وبيناتهم فى الجيل الماضى " للعقاد وهو دواسة وافية للمدارس الفنية

أخيراً صدر كتاب " فى الميزان الجديد " لمندور مجموعة مقالات فى النقد السريع لبعض الأباء والشعراء يحالفها التوفيق كثيراً حين تعرض للقواعد العامة ويجانبها الصواب كثيراً حين تعرض للنموذج والمثال والنقد الحقيقى فى اعتقادى هو صحة الحكم على المثال

وفى العام الماضى ظهر كتاب " دفاع عن البلاغة " للزيات وهو بحث عام فى البلاغة لا يتعرض لنقد المعاصرين إلا قليلاً وكذلك ظهر كتاب " فصول فى النقد " لطه حسين وهو كما يدل أسمه عليه فصول متفرقة سبق نشرها مقالات فى الصحف والمجلات

من هذا الاستعراض السريع تدل حداثة فصل النقد فى المكتبة العربية وتخلفه عن سائر الفصول ولكن هذا - كما قلت - هو الوضع الطبيعي للامور

وإنه ليخيل إلى أن المكتبة العربية الحديثة قد أصبحت تستحق ناقداً ففيها أعمال أدبيه ناضجة وفيها مذاهب فنية متبلورة كما أن فيها محاولات وإتجاهات تستحق الاهتمام فالناقد خليق أن يجد له عملاً فى هذه الظروف الجديدة

ولكن ما هو عمل الناقد على وجه التحديد ؟

للناقد عملان أساسيان : عمله فى الجو العام وعمله مع كل مؤلف على حدة فأما عمله فى الجو العام فهو التوجيه والتقويم ووضع الاسس وتشخيص المذاهب وتصوير أطوارها ومناهجها

وأما عمله مع كل مؤلف فهو وضع " مفتاحه " فى أيدى قرائه الذين يقرأون أعماله متفرقة ولا يدركون الطبيعة الفنية التى تصدر عنها هذه الأعمال ولا يتعرفون الى شخصيته المميزة الكامنة وراء كل عمل

وهذا " المفتاح " ضروري للتعريف بالاديب والا كان النقد عملاً جزئياً ليس وراءه كبير طائل بالنسبة للقراء ونقد كتاب دون تصو " الشخصية " القائمة من ورائه انما هو عمل ناقص لا يؤدى إلي شئ فى هذا الباب

لا بل إن هذا " المفتاح " ضرورى لمؤلف نفسه لا لقرائه وحدهم فكثير من المؤلفين لا يعرفون أنفسهم ولا يلتفتون إلى خصائصهم وهم يستفيدون من الناقد الذى يضع المرآة أمام وجوههم ليتبينوا فيها ملامحهم الاصلية

وليس من وظيفة الناقد أن يغير طبيعة المؤلف ولكن من وظيفته أن يعرف هذه الطبيعة ويبلورها ويقيس أعمال المؤلف بها ويهديه إليها إذ اضل أو إنحرف في فترة من فترات الضعف والكلال !

وكلما تناول الناقد أحد المؤلفين مرة يجب أن يصبح هذا المؤلف " معرفة عند القراء لا من حيث الشهرة والبروز ولكن من حيث تميز الملامح ووضوح الخصائص وكتف الطبيعة الفنية الكامنة وراء اعماله على وجه العموم

اشترك في نشرتنا البريدية