الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

وفاء الأصدقاء أيضاً...

Share

. . ومضي صاحبى فى حديثه يقول :

- ولقد بدا لنا من مقالك الافتتاحي السابق ( * )انك بلوت من صداقات الناس ما بلوت ، وأنك بليت من الاصدقاء بما بليت ، فكتبت ذلك المقال الناري الذي نعيت الينا فيه الصداقات الحقة على مذبح الصداقات المادية الراهنة . . فهل لك بامحلل سير الاصدقاء ان يميط لى اللثام عن ظاهرة غريبة شهدتها من ظواهر بعضهم فانا منها جد مضطرب ، فلا يهداً لى بالكشف لي عن حجاب هذه الظاهرة العجيبة فى هذا الزمان العجيب...

قال محدثي ذلك بصوت خفيض متألم ، فهدهدت من شجونه ، وقلت له فى رفق الناصح الشفيق :

- تحدث يا هذا عما تشاء من شجون الحياة بهدوء وإتزان ، وإياك ان تبدي إنزعاجاً من سهام الحياة فتحصيك فيمن تصحى من ثائري الأعصاب واهنى القوى ولتضع اعصابك " فى ثلاجة " حيال ماتصادف من صداقات الاعداء وعداوت الاصدقاء ، فكلتاهما فى حقيقة الامر سواء ، ولتكن اعصابك مع ذلك فى قوة الفولاذ ومناعته ، ليتسنى لك أن تعيش وأن تعايش . . وبعد ذلك فهات قصة صداقتك أن كانت مما يستحق أن يروي !

فقال :

- أجل كان لى صديق أثير عندى ، أتمثل فيه كل خصال النيل والوفاء ،

وكنت اراه اخاً شقيقاً أفضله على اخي الشقيق الذي تعرف من مآثره واخلاصه الجم ما تعرف . . وقد تجاوبت نفسانا كل التجاوب ، وفهم كل منا صاحبه كما يفهم نفسه التى بين جنبيه ، وقد القى فى روعى اننا سنعيش طول العمر ننعم بهذا الجو الودادى العبق ، وقد بليت ولائى له على اسس من الفضائل الروحية التى كنت اهيم بها والتى كنت اتمثلها فيه

وبسطت له من شؤوني ما زويته عن أخي الشقيق ، وكذبت من أجله كل ما قيل وكتب عن فساد جو الصداقات وارتكاسها بطينة المادية المزدراة ، وعشنا ردحاً طويلا من الزمن نعب من هذا المنهل الروحى الصافي الذي كنت أخاله خالدا . . ثم . . ثم ما هو الا ان فأجاني ذات يوم بطي بساط ما كنت اعهده فيه من اخاء وولاء . . ثم . . ثم راح يقرضني في المجالس الخاصة والعامة ويتقول على الاقاويل ، ويتقرب الى من يتلمس فيهم رائحة كراهيتى . . وهكذا انقلب الصديق المصافى بالامس عدواً مجافياً اليوم بدون سابق انذار ، وبدون معرفة بواعث واسباب . . وقد كان من حق ان انزعج من هول الصدمة المفاجئة وان تتسرب الي الوساوس والهموم والشكوك فانزويت عن المجتمع في سكون البائس المستيئس حتى اذا قرأت أفتتاحيتك عن "مادية " الصداقات هبت على نفحة من نفحات السلوى وآب الى بعض ما كان شارداً عني من اسراب الرشاد وجئتك اليوم كمريض يلتمس العلاج لدى طبيبه ، ولعلى واجد لديك بعض شفاء لنفسي المخضوضة .

فقلت له متمهلا :

- هدىء من روعك يا صاحبى ، فما ارى حادثتك ، وان راعتك ، بدعاً فى حوادث الصداقات فان لها عشرات النظائر والأشباه ، وانني لمعيدها الى سيرة صواحبها من صداقات المادة الذائعة اليوم . وليس فى الأمر مفاجأة أو انقلاب . فاذا كنت كما تقول : بنيت صداقتك لصديقك الذاهب ، على الاخلاص الروحى السامي ، فليس ذلك طريق صداقته اليك . . ولعل امره لا يعدو في بادئه انه قد كان لمح عندك نفعاً متخيلا ، او خيل اليه فى احدى سياجاته

الفكرية عن مطالب المادة انك اجدى له نفعاً من سواك ، فاصطفاك لنفعه لا لنفسه ، واظهر لك من محض الوداد ما جعلك تطمئن اليه . وهكذا سايرك فى طريق حففتماه او خففته وحدك على الاصح بزهور الوئام ، وكنت سادراً فى وهمك ، ساهياً عن حقيقة امر صديقك ، لاهيا عن نفسيته المستمدة من جو الزمان والمكان ، حاسباً انه سيبقى سابحاً معك في محيط من الولاء والوفاء ، وكان هو يستعرض كل يوم وجوه النفع لديك ويقايسها ويوازنها بوجوه النفع المرتجاة لدى غيرك ، فلما لأحت له منفعة لدى بعيد عنك او قريب منك ، ولم يمكن قرن وداد كما معاً بحبل هجرك هجراً غير جميل ، وأوى الى من علق به شبكته لعله يفيد منه منفعة خيراً مما يفيده منك ، وهكذا بتر صداقة قديمة شعر بمرجوحيتها فى ميزان " المادة " ووصل صداقة جديدة شعر بانها راجحة ولا يعدو أمره فى الحالتين ان التمس وجه النفع فى جفائك ، كما التمس وجه النفع من قبل فى ولائك... فلا تثريب عليه حيال خلته هذه فليس ما اتاه بدعاً من البدع كما تتوهم ، هذا هو السر الحقيقي لسائر صداقات اليوم . واذا انكشف السرهان الأمر ...

وهنا صمت المسئول " وصمت " السائل " وقد ارتسمت على جبين " اولهماً علامة استفهام " انكارى " مرير . ولاحت على جبين " ثانيهما " علامة استفهام " اقراري " خطير .

اشترك في نشرتنا البريدية