الشيخ فؤاد الخطيب !. . . ١٣٧٦ ه - ١٢٩٨
والموت نقاد على كفه يموت راعى الضان فى جهله
نعى الينا شاعر العرب الكبير الاستاذ فؤاد الخطيب ، سفير المملكة العربية السعودية بكابل عاصمة الافغان ، فكان وقع النعى على القلوب ، وقعا شديدا أليما ، فمثل هذا الشاعر الخالد ، الذى عرف كيف يعبر عن أمانى العروبة ابان ميلاد نهضتها ، والذى كان صوته الشعرى الساحر احد رواد هذه النهضة من قبل نصف قرن - مثل هذا الشاعر قلما يجود به الزمان . . ومثله حرى بان يحزن العرب لفقده الاليم . .
ومن عجب ان تصمت الصحافة العربية الخارجية المنطقة عن الافاضة فى شمائله ، وتحليل مزايا شاعريته وأثرها فى نهضة العرب ووحدتهم ومقاومتهم للاحتلال التركى ، ومقاومتهم بعد ذلك للاستعمار الغربى . . فلم نر فى هذه الصحافة من أشاد بذكره غير جريدة (( الاهرام )) التى شيعته باسطر معدودة كما تشيع الناس شبه العاديين . . ومن سار على سيرها فى الاقتضاب .
وصفه . .
كان فؤاد الخطيب رجلا متين البنية ابيض اللون ، مشربا بحمرة . مستطيل الوجه . معروقه ، تبدو على
جواهر يختار منها الجياد ميتة جالينوس فى طبه
جبينه آثار اللماحية والقوة ، وعيناه واسعتان ، وهو ربعة فى القوم ، جهورى الصوت ، منطيق ، حسن القاء الشعر ، متحدث لبق ، يعرف كيف يستجلب انتباه السامعين ، اما مجاله فى عالم السياسة فمحدود ويعد من المعمرين . .
مزايا شاعريته
وكان أحد فحولة الشعر العربى المحدثين . . كان فى شاعريته ندا لشوقى ، وحافظ ابراهيم ، والكاظمى ومعروف الرصافى ، وصدقى الزهاوى ، وقد يفوق كل هؤلاء بقوة الديباجة ، وعمق الشاعرية ، وجرس البيان ، وصلصلة التعابير ، وكأن مؤتى فى توليد المعانى ، واشتقاقها من بعض ، حتى يصل بها الى آفاق بعيدة ، فى وضوح أسلوب، وانسجام تركيب ، ولعل تمكنه من ناصيتى العربية ، والانجليزية ، وفهمه للغة التركية ، كما تعتقد ، أدى الى هذا التطور الخاص فى شاعريته . . حتى كان نسيج وحده . . فى غزله . وتصوفه ، وفى وجدانياته ، وفلسفياته ، وفى عربياته ، وتركياته ، وفى ذكرياته . واجتماعياته ، وفى حماسياته ، واخوانياته . . ولا أدل على ذلك من مقطوعته المثبتة فى
ديوانه القديم المطبوع سنة ١٣٢٨ ه والمعلومة (( بكلمة وداع )) . . وقد اشتهرت وشرقت وغربت وفيها يقول :
بعد موتى عناصر الجسم تنحـ
ــل فيمتصها النبات طعاما
فاذكرينى اذا تكللت بالزهــ
ر ففيه هباء جسمى اقاما
وانشقيه فان فيه أريجا
عاطرا كان فى فؤادى غراما
مجمل حياته الاجتماعية والسياسية ولد فقيد الشعر والادب فى قرية تدعى (( شحيم )) بلبنان ، وكانت وفاته بعاصمة الافغان (( كابل )) فنقله ابنه السيد رياض منها جويا الى القرية التى ولد بها فدفن بها ، وبقريته تعلم مبدئيا ودخل الجامعة الامريكية ببيروت ونجح ، ووظف بلبنان . . . وقبيل الحرب العالمية الاولى عن لانجلترا اختيار موظفين عرب لحكومة السودان فوقع الاختيار فيمن وقع على فؤاد الخطيب ، فنزح الى السودان ، وأقام بالخرطوم موظفا بها. وكان يرتاد رياض الشعر ، وكان الانجليز والفرنسيون يسعون لقلع شجرة الاتراك من بلاد العرب ، وكان العرب حانقين على هؤلاء، بما استأثروا به من الامور ، وبسبب عنجهيتهم وازدرائهم للعرب وهضم حقوقهم فى أوطانهم ، ووافق شن طبقة ، وهكذا كان شاعرنا أحد أولئك الشعراء . . الذين حاربوا فى شعرهم البارع ، مبدأ تتريك العرب . ونادى بضرورة تحصيل العرب على حقوقهم داخل اطار الوطن العثمانى الكبير . . ونادى بضرورة اصلاح الوضع القائم فى
الدولة العثمانية حتى تساوى الكفايات وتتساوى الفرص امام جميع المواطنين العثمانيين بما فيهم العرب ، ثم تدرجت به الاحلام الشاعرية الى الدعوة الجهرية باقامة دولة عربية موحدة فى بلاد العرب للعرب . وذلك باعادة مجد العرب ، من طريق تعلم أبناء العرب ، وتماسكهم ، ووحدتهم، ونشدانهم المجد من طريق الحرية المنشودة ، وقوى هذا المبدأ فى شعر شاعرنا ، ذلك الدستور العثمانى الذى أصدرته الدولة العثمانية ، ذرا للرماد على العيون ، فهلل العثمانيون والعرب وكبروا طربا وتفاؤلا . . اسمعه ينشد قصيدته التى استهل بها ديوانه القديم المطبوع سنة ١٣٢٨ ه ومطلعها : (( التحيه العثمانية )) وفيها (( يحيى الدستور العثمانى الكريم )) على حد تعبيره :
بلغنا من الآمال ما كان قاصيا
ورضنا من الايام ما كان عاصيا
فقوموا انظروا( المبعوث )من جوف قبره
فقد بات فى ( دار السعادة ) ثاويا
ويقصد بالمبعوث هنا من سماه (( وكيل الامة )) فى الاستانة ، أى عضو البرلمان . . الى أن يقول .
وشد ( بنو عثمان ) كل عزيمة
فما اتبعوا الاعمى ولا المتعامــيا
فلا غل بعد اليوم يوغر صدرهم
فقد نزعوه واستعاضوا التصافيا
الى أن يقول فى ختام القصيدة المعبرة عن آمال العرب اذ ذاك :
فيا عصبة الأحرار اخوانى الألى
اغذوا بمضمار الرقى المساعيا
عليكم سلام الله ممن رددتمو
عليه نهاه فاستعاد القوافيا
كأن نجوم الليل بعض سطوره
وفد فاضت الانوار منها معانيا
شرعت يراعى لا رقيبا يرده
ولا حاكما يجنى عليه الدعاويا
وأطلقت صوتى فى البلاد ولم أعد
أحاذر من حزب الجواسيس واشيا
ولم يبق فى ( البسفور ) لنقبر مزلق
يزل به من بات يهوى المعاليا
فقد رأب الدستور منه صدوعه
فأصبح كالمرآة فى العين صافيا
وظل الشاعر وفيا لمبدئه ، يزجى قصائده الوطنية الوضاءة لاستحثاث همم العرب قومه ، ويرسلها مدوية الى الصحف المصرية من السودان . . الاهرام . . المقطم . . ، وغيرها فتتسابق الى نشرها ، وقد عرف العالم العربى أى صوت مدو جذاب يحمل فؤاد الخطيب ، انه يضرب على الوتر الحساس فى هذا المضمار ، وبيانه حى دافق بالحيوية والاشراق ، الى أن قامت رحا الحرب العالمية الاولى ، واشتم رائحة النهضة والثورة من الحجاز ، فولى وجهه شطره وصار يبعث بالقصائد تلو القصائد الى أمير مكة اذ ذاك وحامل علم ثورة العرب على الترك الشريف حسين بن على . . ثم استدعاه الشريف إلى مكة ، فقدمها ، وانشد بين يديه قصيدته المشهورة : ( حى الشريف وحى البيت والعلما )
ثم عينه وكيل وزارة الخارجية ، تكريما له ، وكان له الاسم من هذا المنصب فقط ، وكان للملك حسين العمل كله . . وظل على هذا المنوال . . حتى آخر أيام الحسين . . ومن ثم عاد الى وطنه لبنان ، فأقام فيه .
ولكن الدهر عفه بنابه ، وكان أن قامت أمارة شرق الاردن ، يرأسها اذ ذاك الامير عبد الله بن الحسين ، وكان ممن يتعشقون الأدب ويحنون الى بلابل الشعر ، فدلف الشاعر العربى الى مديحه ، وأخيرا قبل الامير عبد الله ايواء الشاعر اليه،فكان نديمه ،وخصص له راتبا ذاتيا ، ولعل فلتة من فلتات الشاعرية الحرة الطليقة اثرت بموقفه لدى الامير ذات مرة فحنق عليه ، وقطع عنه راتبه الذاتى، فعاد الى بلده متألما ، ثم رأى اتباعا لنصيحة بعض خلصائه أن ييمم شطر الملك عبد العزيز رحمه الله ، فأرسل اليه بالمدائح السائرات ، وقبل الملك قدومه ، وانزله ضيفا مكرما ، ثم عينه بمنصب (( وزير مفوض )) له بكابل عاصمة الافغان ، ثم (( سفيرا )) له بها . . فكانت هذه العزلة عن العالم ، بمثابة الراحة الاخيرة التى كان ينشدها الشاعر الثائر بعد المتاعب فأقام هناك منعما مكرما ، مفاضا عليه فى الرزق والمنصب ، وقد قدم الحجاز ثالث مرة قبل ثلاثة أعوام ، وقد جمع ديوانه الكبير ، على ان يقوم بطبعه معالى الشيخ محمد سرور الصبان على نفقته الخاصة . .
وحدثنى رحمه الله انه من شدة شوقه لرؤية بلاد العرب ، بعد المدة التى قضاها فى كابل قطع طيلة هذه المسافة على سيارته الخاصة برا . . من كابل الى بغداد ، ومن بغداد الى دمشق ، فبيروت ، ومن هناك الى الرياض ، فمكة المكرمة .
أثر مدرسته الادبية فى الحجاز
ولا نمترى فى أن فؤادا الخطيب كان له أكبر نصيب فى تفتح اذهان ناشئة الحجاز على الادب الحديث شعره ونثره فهو صاحب مدرسة فى هذا الشأن قبل نحو أربعين عاما . . فقد قدم الحجاز فى مبدأ قيام الثورة العربية بالحجاز ضد الترك . . أيام الثورة العربية ، كما قدم عشرات من أقطاب العرب الى الحجاز اذ ذاك . . وكان الناشئة قد وصلهم من بعيد ومن قريب رسيس اصوات هذه النضة العربية المتوثبة . وكانت لديهم استجابة ،فلما جاء فؤاد الخطيب شاعر الثورة . وشاعر العرب الى وطنهم هذا نفخ بشاعريته فى أرواحهم . . وأثار كوامن وجدانهم . . وكان يعقد لهم المجالس الادبية ، ويفهمهم اهداف الادب الجديد ويصبه صبا فى قلوبهم وآذانهم ، متحمسا لمبدئه احياء تراث العرب وانهاض بلاد العرب ، خاصة وهو فى قلبها النابض . . انها كانت فرصة طيبة له ولهم . . استغلها الى أبعد حدود الاستغلال . واستفاد بها ناشئة الحجاز وشداة الادب الحديث فيه ايتما افادة ، وكان وقت قدومه الحجاز ناضج العود . . فقد شارف الاربعين من العمر على ما حدثنى به صديقه الوفى الشيخ الطيب الساسى . . . وانا اعتقد ان ما فى (( ادب الحجاز )) من شعر هو متأثر بشعر وتوجيه فؤاد الخطيب من قريب او من بعيد . . حدثنى بذلك المرحوم محمد عمر عرب . . وحدثنى عن مجالس الادب التى كان يعقدها
للناشئة فى مكه والطائف بعيدا عن أعين الرقباء . . وحدثنى عن اثر كل هذا فى نفوس الشباب . . وقد رأيناه يرسل اليه المقطوعات الاستطلاعية ، ورأينا فؤادا يبعث اليه بالابيات الهادفة يريد منه ان ينسج على منوالها فتستجيب طبيعته المتوقدة المتحمسية ولابد أن ما حدث له مع فؤاد من هذا القبيل حدث لسواه من زملائه ، ولابد ان من لم يحدث له ذلك منهم حيث له التأثر بهذا الجو الشعرى العبق الهادف الى الوطنية واثارة روح القومية العربية من شباب وناشئة . . وهذا فضلا عن روعة المعانى المبتكرة ترددها قصائد فؤاد فترد أصداءها بطحاء مكة والمدينة وجدة . . والقصيدة (( الطائفية العصماء )) كانت احدى الانشودات السيارة فى ابناء الشعب قبل اربعين عاما . . وهى ذات جرس خاص حديث جذاب جمعت بين الفن الحديث والذكريات القديمة والحديثة فى الحجاز إلى الابتكار والخوض فى المعانى الاخاذة . ولذلك لا غرو ان تكون على فم كل انسان فى الحجاز يعشق المصيف الجميل :
أنا فى الطائف استوحى الشعور
ان فى الطائف بعثا ونشور
روضة تضحك فى أكمامها
ضحك الساخر من صرف الدهور
ولقد حدثنى رمانها
انه كان نهودا فى الصدور
ولابد ان أمثال هذه القصيدة
العميقة المعنى . الجميلة الاسلوب .
٥٠٣
قد صرفت الاذهان نوعا ما عن الشعر التقليدى الجامد الخامد،شعر المناسبات وشعر البديعيات والموشحات والمطرزات الذى كان سائدا فى الحجاز اذ ذاك . . فهذا فن جديد ، طرى غض لذيذ ، يوحى بالبعث والنشوة والحياة الى الارواح والافكار . .
واذن ففؤاد الخطيب رحمه الله ، كان أول المدارس التى استمد من ثمارها أدبنا الحديث كيانه . . . وللتاريخ والحقيقة نثبت هذا القول هنا . .
عود على بدء
وحينما عاد فؤاد الخطيب إلى الحجاز فى أواخر عام ١٣٦٦ ه وجد غراسه قد نمت ، ووجد حقول الشعر الحديث وقد ازدهرت فى البلاد ، كما وجد الادب النثرى على غير ما كان يعهد من الاتساع والطلاوة . . فسر كثيرا بهذه الظاهرة الحميدة وقال لى : (( ان هذا شئ مدهش . . ان نهضتكم الادبية قد استطال نبتها فى مدة وجيزة (( وكنا نعقد ندوات السمر الادبية فى نزله بفندق مصر بأجياد فيحدثنا بالكثير ويشجعنا بالكثير ، ويثنى على صحافتنا وأدبنا ، وكان للمنهل عنده تقدير خاص . . ناهيك انه استكتب عنه صديقه الصفى فضيلة الشيخ الطيب الساسى كلمة فى الجزء الصادر فى المحرم ١٣٦٦ بالصفحة ٤٩ جاء فيها : (( ان شاعر العرب الكبير فؤاد الخطيب يفضل المنهل على كثير من المجلات التى تصدر فى البلاد العربية الأخرى )) ، وكان الشيخ فؤاد يردد
هذا المعنى فى مجالسه كثيرا فى كل مناسبة . .
وتوطيدا لهذا الرأى آثر (( المنهل )) سنتها بنشر قصائده اللامعة . . فنشر به (( الطائفية العصماء )) كاملة لاول مرة . . كما نشر به قصائد اخرى منها (( وقفة فى سلع )) و (( الشعرة البيضاء )) و (( الخلسة السانحة )) . ومن شاء الاطلاع على هذا الكنز الثمين . . فعليه ان يطالع اعداد السنه السابق ذكرها من مجلة المنهل . واننا لنرجو من الله أن يوفق معالى الشيخ محمد سرور الصبان زعيم الادب الحديث فى بلادنا ورجل تشجيع العلم والنشر فيها - الى طبع ديوان هذا الشاعر العربى الكبير ، الخالد ، وفاء لحقه ، وتخليدا لآثاره وبعثا لما ترك من كنوز ادبية لا تقدر بثمن .
وفاؤه لاصدقائه
ومن مميزات شاعر العرب والثورة شدة وفائه لاصدقائه . . وطيبة نفسه وكرم اخلاقه ، وبشاشته الدائمة برغم ما تكبده من متاعب فى دنياه التى طالت صحبته لها ، ومن آثر اصدقائه لديه الشيخ الطيب الساسى كان زميلا له فى أيام الحكم الهاشمى ، وكان صديقا له منذ رئاسته للقبلة ودامت هذه الصداقة بعد انتهاء الحكم الهاشمى ودامت الى أن انتقل الشاعر الكبير الى الدار الباقية . حدثنى الشيخ الطيب ان آخر أثر وافاه من عنده كان رسالة اخوانية . بعث بها اليه من كابل مقر سفارته فى آخر أيام حياته . وفيها يقول له : (( وقد خاطبتك بأبيات اشرت فيها الى
الصنعة التى كنت أمارسها قبلك . . وتمارسها أنت الآن . . وهذه الابيات هى :
دعوتك أيها الخدن المفدى الى فكنت اسرع من اجابا وكنت موفقا فى كل أمر بما اكتسح المشاكل والصعابا وانت (( الطيب الساسى )) طابت بك الدنيا وصفو العمر طابا وكم من خطة خالفت فيها فكان صوابها العجب العجابا كما نضدت حروف الطبع عكسا فكانت حينما قرئت صوابا والصنعة التى يشير اليها هى الصحافة ، فان الشيخ الطيب رأس تحرير القبلة ثم رأس تحرير أم القرى ومن هذا فهمنا أن الشاعر اشتغل بالصحافة ايضا .
جولة فى ديوانه القديم
لقد أشرنا إلى هذا الديوان فيما مر بك من هذا المقال اشارة عابرة . . ونقول الان : ان هذا الديوان طبعه المؤلف نفسه عام ١٣٢٨ اى قبل نحو نصف قرن . . وفهمنا من هذا الديوان ان اسم والد الشاعر هو (( حسن الخطيب )) . . وقد وضع له المؤلف مقدمة عن تاريخ العرب وأدب العرب وشعر العرب . . وكل اجزاء هذه المقدمة نابض بالثورة هادف إلى استنهاض همم العرب لاعادة خالد مجدهم ، وتدعيم كيان عزتهم وايجاد صرح وحدتهم ، ويقع الديوان فى مائة صفحة وصفحة ، ويحتوى على خمس
وعشرين قصيدة ومقطوعة . . كلها فى الشئون العربية التى كان يراد لها الانبعاث والكيان . . وهكذا يبدو لنا الشاعر فى ديوانه هذا حامل علم ثورة ، يخوض المعارك بقلمه الذى ينطبق عليه قول سلفه :
لك القلم الا على الذى بشباته
يصاب من الامر الكلى والمفاصل
وللشاعر فى الديوان مصاولات ومجاولات مع الترك ، كان يحمل عليهم جزاء ما كانوا يرسلون الاهانات على أبناء قومه العرب . . وكان تارة يجاملهم ، كما يتحامل عليهم ومن أهم تحامله عليهم اذ ذاك قصيدته التى وجهها الى (( صاحب جريدة اقدام )) التركية . . فوقفه عند حده ، وقابل طعنته للعرب بطعنات . . والشاعر موهوب مؤتى فى أهدافه . . انه يصب جام غضبه على (( الامتيازات الاجنبية )) فى الشام . . فيقول :
ليتنى كنت شاردا اجنبيا
فى بلاد الشام لا وطنيا
فلعلى افك عنى قيودا
كبلتنى فلم تتح لى رقيا
وهكذا كان قلم الشاعر سيفا
مصلتا أيضا على رقبة الاستعمار من قديم ومن حديث . . وبحمد الله فقد عاش الشاعر حتى رأى بعينى رأسه انفكاك قيود الامتيازات عن اغلب بلاد العرب . .
وكما اشاد حافظ فى (( بائيته )) المشهورة بالحرب اليابانية امام الروس ، صنع فؤا د الخطيب ، فله فى
ديوانه هذا (( بائية ) أخرى فى هذا الموضوع نفسه على غرار بائية حافظ ولا أدرى ايهما المتقدم فى النظم على الآخر . . وعلى كل فمن دراستنا للبائيتين اتضح لنا ان اسلوبهما واحد ، وهدفهما واحد ، وقافيتهما ووزنهما واحد ، وكلتاهما تتحدثان عن امرأة يابانية تعتز بما بلغ اليه قومها الشرقيون من عزة وتماسك وانتصار . . فى حربهم مع اعدائهم اذاك . . وهذه أيضا صفعة من
صفعات الشاعر للاستعمار الغربى . وأخذ بحجزة العرب الى بناء مستقبلهم بالقوة والتماسك كما صنع اليابان اذ ذاك . . والتاريخ عبر ، والشاعر العبقرى من استطاع ان يعبر خير تعبير عن هذه العبر السيارة . لصالح قومه فى كل زمان ومكان وهكذا كان فؤاد الخطيب فى كل زمان ومكان .
استنت زميلتنا البلاد السعودية الغراء سنة جديدة على صحافتنا . اذ قامت - وهذا من آثار النشاط الصحفى لرئيس تحريرها الاستاذ فؤاد شاكر - بحملة استفتاء شعبى حول البيان الاقتصادى الملكى الكريم . . ودأبت الجريدة على نشر أجوبة أفراد الشعب فى صدر اعدادها بالتوالى ، عازية كل كلمة لصاحبها مبينة مركزه الاجتماعى والادبى فى الهيئة الاجتماعية هى سنة جديدة حميدة . . وقد ابدى صاحب هذه المجلة رأيه فى البيان الملكى الكريم ،ونشر فى صدر العدد الصادر فى ١٣٧٦/١١/٥ من الجريدة المذكورة . وهذا نص ذلك الرأى ننقله لقراء المنهل الكرام :
(( لا شك انه بيان عظيم سينهض باقتصاديات المملكة ويقفز بها إلى الامام على ضوء من ارشادات جلالة الملك المفدى . وليس هذا بأول ما يحققه جلالته من السعادة والرفاهية والرخاء لشعبه .
فجلالته معروف عنه الحرص على جلب كل منفعة للبلاد ، ودفع كل مضرة عنها بما أوتى من حكمة سامية وسداد رأى وعمق تفكير ، وانى اعتقد كما يعتقد ملايين الشعب السعودى أن اهتمام جلالته برفاعية الشعب وكل ما يبعث على انتعاش اقتصادياته ، ويؤدى الى خفض مستوى الاسعار لديه . .هذا الاهتمام الكريم نفسه هو الذى سيكون فيه الحل المنشود لكل عقبة ، وسيحقق الرفاهية المرتجاة ، بحول الله تعالى ، ولا أدل على ذلك مما جاء فى البيان من أن جلالته قد أصدر أمره الكريم بعقد اجتماع اقتصادى وطنى يرأسه جلالته بنفسه لهذا الغرض النبيل ، حفظ الله جلالته ذخرا للبلاد والعباد )) .
