قصة
الساعة السادسة صباحا أسأل أين أنا؟ ما هذا الكابوس الذى يمسك بخناقى ويكاد يكتم أنفاسى؟ قلبى يتلوى ألما ومرارة .. عيناى لا تنفتحان .. ورأسي يرزح تحت سطوة آلاف المطارق التى تهوى عليه .. وكل كيانى يتأرجح بين الارض والسماء على شفة السقوط فى هوة سحيقة مالها قعر.
الكابوس يضغط على .. وأبواب الجحيم مفتوحة على مصراعيها تنتظر دخولى .. وأنا لا أنام!!
أتساءل فى كل يوم الى متى أحشو جسمى بالحبوب المنومة ما دمت أعرف أننى لن أنام؟ لن أنام ..
الحلم المخيف لا يبرح مخيلتى .. يؤرق خاطرى .. يمتص دمى .. جثث مبعثرة هنا وهناك والدماء تسيل كالانهار .. وأنا، أكاد أغرق فى بحر الدماء .. أريد أن أهرب من الموت والدم لكنني لا أستطيع .. الموت يغزو أفق حياتى والدماء تكسو الطريق أمامى وتسده .. فأنادى أصرخ .. لكن لا أحد قربى ليسمعنى سوى الجثث .. أنت بعيد .. بعيد عنى .. أحاول أن أجتاز يم الدماء وأصل اليك، لكننى لا استطيع أن أصل وأعرف أننى لن أصل .. فلماذا بربك قل لى؟ لماذا لا أصل؟
الساعة الثامنة صباحا أحس أننى لست انسانا حيا، انما مومياء محنطة حائرة بين الموت والحياة .. بين الفناء والبقاء .. بين الاندثار والخلود .. أشرب قهوتى باعياء .. أدخن سيجارتى بيأس وأترك فكرى يعود معربا هائما خلفك .. ويعود السؤال الكريه يراودنى: لماذا لا أنساك وأنام؟ لماذا؟
الساعة التاسعة صباحا الملل يكاد يقتلنى .. لا أريد أن أنتظر .. كفانى ما انتظرت شهورا .. لقد مللت كل شئ أولهما شوقى اليك وانتظارى قدومك.
السواد يكسو غرفتى .. البيت مظلم .. بارد .. لم ير الشمس منذ أشهر .. انه الشتاء يغزو حياتى .. شتاء عمرى .. وأيامى .. وأمانى .. الغرفة كأنها سجن ضيق .. ضيق .. القضبان الحديدية، تطوقنى من كل جانب وأنا منحنية الظهر لها .. صابرة .. مستسلمة .. لا أقدر على كسر هذه القضبان ولا أعرف كيف أهرب من السجن الخانق الذي يحبسنى .. النور .. الحرية .. الانطلاق كلمات جوفاء أسمعه بها لكنني لا أعرف لها معنى .. الشوق يحرق قلب .. والبأس يأكل أضلعى .. وأنا أموت .. أموت ببطء ودون أن استطيع أن أفعل شيئا .. ولا حتى أناديك .. لماذا أناديك؟ ما دمت لن تسمعنى .. ولا تود أن تسمعنى ..
الساعة العاشرة صباحا الشوارع مكتظة بالناس .. زحام هنا وهناك .. جمد الدمع فى مقلتى .. تحجر حلقى وقد عاودته غصته القديمة التى أخذتها منك .. بينما أحسست بقلبي يتقطع اربا اربا وقد تشتت بين اليأس والامل .. الشوق والحرمان .. الموت الحياة .. رجلاى تأخذان فى قطع الطريق المزدحم .. تتعثران .. تتخاذلان على وشك الانهيار .. فأبقى على حافة الرصيف واقفه انتظر فى صمت واجم كيف سينهار، وكيف ستكون النهاية؟ غشاوة سوداء تشد عينى .. لم أعد ارى شيئا .. الزحام والضوضاء كأنهما آتيان من عالم مجهول مملوء صخبا وضجيجا .. يعمى عينى ويكسر رأسى .. فأحس أننى أختننق .. أريد أن أبكى .. أصرخ .. أقول لكل الناس أنى أحبك .. أريدك أريدك انت يا من ترى فى يأسى وعذابى نشوة تزغرد لغرورك وفى لهفتى واشتياقى نغمة تشدو لانانيتك .. لكن من يسمعنى ان صرخت؟ الناس .. انى لم أعد أراهم .. تبخروا فى الهواء .. غدوا كجثث تمشى امامى .. لا أرى أحدا، انما أشعر فى كل خطوة ان ابواب الجحيم قد انفتحت أكثر والحارس العملاق قد كشر عن أنيابه ينتظر دخولى .. أريد أن أهرب منه ومنك ومن الناس الذين لا أراهم ولا أريدهم وأنا أريدك أنت .. فلماذا تركتنى .. لماذا؟ لم تكن قاسيا كما أنت الآن .. كنت لطيفا، رقيقا، عذبا، فماذا جرى يا ملاكى الحبيب؟ الحارس العملاق يجذبنى اليه .. الى طريق الجحيم .. لكننى أريد أن أسألك قبل أن تبتلعنى الهاوية .. قبل أن تأكلنى النيران ..
ماذا جرى؟ هل أضحى الملاك شيطانا؟ ان كان هذا فسوف أسرع بالدخول الى الحجيم .. أسلم جسمى للحارس يمزقه قطعا ليرميه الى النار وأرتاح.
الحادية عشرة صباحا نظر إلى حدهم نظرة فيها رغبة واشتهاء .. ابتسم آخر وهو يرنو الى برقة .. أوقف آخر سيارته أمامى ونادانى أن أركب .. رأيت فى عيونهم أنى لا ازال حلوة لا أزال مغرية رغم نفوره منى ورغم آثار المرارة والعذاب التى أحملها على صفحة وجهى. هربت منهم .. هربت وقد عاد الامل يملأ قلبي لن يستطيع أن ينسى أننى حلوة .. لن يستطيع أن ينسى انه كان فى يوم ما يريدنى .. سوف يعود .. حتما سيعود. أشهرا وأشهرا وانا انتظر .. كل يوم يحمل فى طياته أملا جديدا .. ويأسا جديدا .. وخيبة ومرار جديدتين .. لكنه اليوم سيأتى .. لا بد أن يقضى الليلة معى ليلة رأس السنة .. لا يمكن أن يتركنى وحيدة فى ليلة كهذه .. لقد بدأت الشمس نبزغ .. السماء زرقاء صافية تبشر بعودته .. والطيور تزغرد بلحنها الشجى مباركة فرحتى المنتظرة.
قوارير عطورى قد جفت من الانتظار .. سأشترى قارورة أخرى لاتعطر بها .. أريده أن يشم عطرا ذكيا وهو يقبلنى .. حتما سيقبلنى أين؟ على خدي .. على شفتى .. على عنقى .. ليقبلنى اينما شاء فكل كياني له .. وسأخضبه عطرا وريحانا .. فساتينى أبلاها الانتظار .. شهدت أشهر يأسى وعذابى فكرهتنى وكرهتها .. سأشترى فستانا جديدا أحمر جميلا كليالى اللذة والهوى .. وسأنتظر .. اليوم يدخل الربيع بيتى .. وتملا الورود غرفتى وسترقص الشمس فوق سريرى المشتاق .. الحرارة عادت تسرى فى جسدى وأنا أرنو الى الشمس .. ووددت لو قفزت الى السماء لامسكها .. أقبلها .. لادعوها أن تتركه يأتي وتأتى معه.
الساعة الثانية عشرة تلاشى السواد .. الناس يبتسمون .. يسرعون نحو بيوتهم .. السيارات تزدحم .. كل يسير فى طريقه فرحا بالسنة الجديدة التى على الأبواب .. دقات قلبى بدأت تنتظم .. رجلاى بدأتا تستقران على الارض وبدأت أشعر أننى لست مومياء محنطة .. أنا كائن حى فى قلبى أمل كبير .. وفى رأسى
مشاريع كثيرة .. وفى حياتى رجل أريده .. سوف يأتى اليوم وسأعود أنتظره ..
الساعة الثانية بعد الظهر هناك أشياء وأشياء أهملتها .. لقد كنت مجنونة اذ نسيت كل شئ فى غمرة ضياعى ويأسى وانتظارى الحزين .. لابد أن أعود الى الحياة .. الى النور .. أنفث عنى غبار الشجن والاسى .. ولا أبكى ..
الثالثة بعد الظهر لا ازال أنتظر وكل كيانى ينادى: أتراك تأتى لتأخذنى نحو السعادة .. نحو الحب نحو حياة جميلة عذبة نعيشها معا. أريد شيئا من الدفء .. مللت أيام البرد والصقيع .. كرهت الشتاء والرياح .. ولا يمكن للربيع أن يعود الا بك .. لا أحس بالدفء الا برجوعك .. أنا من غيرك كالطائر الصغير الذي فقد أمه .. وعشه فيبقى تائها يبحث عنهما بلا أمل .. مسكين أنت أيها الطائر الشريد .. أنا مثلك من غيره تائهة .. يائسة .. لكنه اليوم سيأتى .. سيطرق بابى سيدخل بخطواته الرشيقة تسبقه بسمته العذبة .. سارتمى بين ذراعيه لاقبله بنهم وشوق .. كم أريد أن أقبله .. أعانقه .. لن أفقده ثانية .. سأتوسل اليه .. أبكى على صدره .. أتشبت بسترته ولن أتركه يذهب .. سيقول أنى مجنونة .. يضحك من تهورى وطيشى .. فليقل ما يشاء .. مجنونة .. سخيفة .. حمقاء .. أنار أريده .. أريده .. أريده ..
الساعة الرابعة بعد الظهر دقات قلبى أخذت تقفر أكثر فأكثر .. عدت أتدحرج بين اليأس والامل .. الشجن والسرور .. الفرحة والعذاب .. انها اللحظة الحرجة التى ستدنيك منى أو تبعدك عنى .. قلبى يقول أنك آت بيديك ورود حمراء، بينما عقلى يضحك ساخرا من بلاهتى وغبائى يقول أنك لن تأتي أبدا، وسأبقى وحيدة مع ضياعى وبأسى .. وحيدة ككل يوم .. وكل شهر .. وكل سنة ..
الخامسة مساء الشك بدأ يتسرب الى قلىي ويعصره ألما وحنقا .. أتراك حقا لن تأتى؟ كتب على أن أعيش بمرارة حنينى وعذابى؟ اننى أناديك .. تعال .. ملكاا
كنت أم شيطانا .. تعال أيها الرجل، ألن تأتى أبدا؟ أغثنى .. أغثنى .. اننى أتعذب .. أموت ..
أين حريتنا؟ أين مساواتنا؟ خرافة أنت يا حريتى .. ها أنا كجارية بائسة فى أحد العصور الغابرة .. جارية ضعيفة .. مهملة فى أحد أركان قصر من القصور تنتظر سيدها ومالك قلبها. لا تستطيع أن تذهب اليه .. ولا أن تدعوه ولا حتى تجهر بالشكوى منه، بل ما عليها الا انتظار مولاها بصبر وخضوع ربما تذكر وجودها يوما .. وجاء .. يا للعالم المخنق .. حرم كل شئ منعت الشكوى .. صودرت الاحلام .. حرمت الاوهام وغدا تفرض رقابة على التنفس .. والتحرك .. وكم أخشى أن يمنع عنى حتى الانتظار .. والامل .. فبربك قل لى يا مولاي كيف أعيش بلا أحلام .. ولا أمل .. كيف؟
السادسة مساء عرفت الآن أنك لن تأتى .. أشهر وأنا أنتظر بلا جدوى .. غابت الشمس وغاب معها الامل فى البقاء .. والحياة .. بدأ الظلام يلفنى ويملا حجرتى وحشة وصقيعا ويدفعنى قسرا نحو طريق الجنون .. نحو درب الجحيم .. الحارس العملاق قد اقترب محاولا جذبى اليه .. ماذا فعلت حتى تجفونى؟ وماذا سأفعل كي تعود ماذا.؟ أحلامى .. مشاريعى .. الدنيا الجديدة التى أهفو اليها .. تحطم كل شئ فى لحظة، واندثر .. لم يبق الا اليأس يملا قلبى بالسواد، السواد الذي أمقته .. وأنا وحيدة مع حيرتى وضياعى فأين أنت يا ملاكى الحبيب؟ أين؟ كم انتظرتك ولسوف أنتظرك العمر كله، لكنك لن تأتي وأنا لن أنساك، لانى لا أعرف يا سيدى القاسى كيف أنساك ولا كيف أحيا بدونك؟
السابعة مساء يجب أن أنسى .. يجب أن أعود نفسى على العيش بلا أمل لقاك .. بلا انتظار قدومك .. يجب ان أفعل شيئا يخرجنى من انتظارى. وجمودى ... اهرب من أبواب الجحيم المفتوحة أمامى .. لا أفكر فيك ولا أحلم .. أريد أن أبقى أمشى الى ما لا نهاية .. لا ألتفت الى الوراء .. لو التفت فسوف أراك وأنا لا أود أن أراك .. سأشل عقلى .. أخدر فكرى وأقطع خيط الامل من
قلبى. وأنسى .. أعود كما كنت انسانا حيا .. احيا بلا عذاب .. أضحك دون حسرة أو مرارة وأسير مع الحياة بلا ندم .. أسير قدما فى طريق الحرية والانعتاق دون أوهام أو قيود .. سخيفة عندما قلت أحبك .. من أنت حتى أحبك .. رجل ضعيف .. مغرور .. كساك حبى تقديسا واعزازا وكساك اعجابى فتنة وسحرا .. لكنك لا تستحق دموعى .. لا تستحق أشهر عذابى ويأسى .. فابق حيث أنت .. لقد كرهتك .. كرهتك أيها الشيطان العاتى سوف أذهب الى الآخر .. انه يريدنى .. يقبل يدى حبا ويلثم قدمى حنانا .. وينظر الى ويحلم ..
الساعة الثامنة ليلا الصخب كثير .. الضحك كثير .. الكؤوس تترع حولى الكأس تلو الاخرى .. دخان السجائر يكاد يخنقنى، بدأت أحس كأن الناس كلهم غدوا أشباحا من دخان، تتراقص حولى .. تتلوى .. تتمطى كأبالسة الحجيم معانقة ألسنة اللهب .. أريد أن أفعل مثلها .. أضحك .. أرقص .. أهتف باسمة .. لكنني لا استطيع .. رجلاى تسمرتا فى مكانهما وعيناى كساهما الدمع، بينما السيجارة ترتعش بين أصابعى المتشبثة بها تكاد تلهبنى .. رأسي يدور .. الدنيا كلها تدور حولى ... والضوء الخافت يغيظنى .. يذكرنى بك .. فأتمنى أن أراك .. أن أرتمى على صدرك وأبكى أشهر يأسى وانتظارى .. هل استطيع أن أضع رأسى ثانية على صدرك وأبكى؟ متى؟ متى؟
أريد أن أصرخ فى وجهه أقول له أنى لا أريده .. ضحكاته لا تثيرنى .. ابتساماته لا تهزنى .. وهمساته اشعر بها كسكين حادة تنغرز فى صدرى .. تأكدت اكثر فأكثر أننى لن أقدر على نسيانك مهما كان عذاب معك. هم يرقصون ويضحكون .. ربما هم لا ينتظرون شيئا .. لا يتعذبون من شىء ولا يحملون هما .. إنما أنا انتظرك وأتعذب منذ أشهر اذ أعرف أنك لن تأتى، فكيف أضحك اذن؟ كيف أرقص؟ أيمكن للزمن أن يسير بى وأنت بعيد؟ غدا يبندئ يوم جديد .. سنة جديدة .. ويكون لكل قلب أمنية جديدة يأمل فى تحقيقها .. الا أنا .. لا جديد لى تحت الشمس، الا انتظارى فهو يتجدد فى كل يوم .. لا بداية له ولا نهاية .. كم أود أن أوقف عجلة الزمن .. أعطلها عن الدوران .. أوقف الساعة .. أوقف دورة الايام .. أجعلهم كلها ينتظرون معى .. ينتظرونك .. آه لو استطيع ذلك ..
الساعة العاشرة مساء
لم يبق لى الا أن أرجع الى البيت وحيدة .. يائسة، أبكى وهمى المجنون
ورغبتى الحمقاء اليك وكل عمرى الحائر معك .. أعرف أنى لن أنام .. لا أقدر
أن أنام وأنت بعيد برغم ما سأحشو به جسمى من حبوب منومه .. قلبى
يقظ .. جسمى يقظان سارح خلفك لا يهدأ ولا يرتاح .. وأعرف أننى
سأصحو على أمل قدومك ووهم نسيانك .. بين فرحة انتظارك ويأس فراقك
سأصحو غدا كما صحوت اليوم .. والامس .. ومنذ أشهر .. أملى لا
يخبو .. رغبتى تستعر، وجنونى وعذابى فى ازدياد أكثر فأكثر ..
لن أهدأ ولن ارتاح لو قلت سأنساك .. انما سأنتظر .. سأنتظر العمر
كله عسى أن تمر لحظة تتذكرنى فيها .. انه الخيط الرفيع الذى يربطنى
بالحياة .. يزودنى بالامل، ويجعلنى أتحمل قساوة الايام ومرارة الحرمان.
أتراك تأتى غدا يا أملى الحبيب؟ أتراك تأتى غدا؟

